قالت مارين لوبان، زعيمة حزب التجمع الوطني الفرنسي والمرشحة للانتخابات الرئاسية المقبلة، إن الوضع المالي الراهن لفرنسا لا يسمح للبلاد بمواصلة تقديم الدعم المالي لأوكرانيا بالمستويات الحالية، في تصريحات أعادت النقاش حول مستقبل المساعدات الفرنسية لكييف إلى واجهة المشهد السياسي الأوروبي.
وأوضحت لوبان، خلال حديث تلفزيوني، أن موقفها لا يعني بالضرورة وقف جميع أشكال الدعم الفرنسي لأوكرانيا، مشيرة إلى إمكانية استمرار المساعدة في مجالات أخرى، من بينها تدريب القوات الأوكرانية وتوفير المعدات التي تساعدها على الدفاع عن نفسها. لكنها قالت إن استمرار تقديم الدعم المالي بالمستويات الحالية لم يعد ممكنًا، في ظل الضغوط التي تواجهها المالية العامة الفرنسية.
وأضافت لوبان أن فرنسا تواجه صعوبات مالية تجعل الحكومة مطالبة بإعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، وربطت موقفها من المساعدات لأوكرانيا بقضايا داخلية تتعلق بالإنفاق الحكومي والالتزامات المالية للدولة.
وتأتي تصريحات لوبان في وقت تواجه فيه فرنسا ضغوطًا متزايدة بشأن عجز الموازنة وارتفاع تكاليف الاقتراض. وكانت وزارة المالية الفرنسية قد خفضت توقعاتها لنمو الاقتصاد خلال عام 2026 من 0.7% إلى 0.5%، مشيرة إلى مجموعة من العوامل، بينها ارتفاع تكاليف الطاقة وعدم الاستقرار السياسي وزيادة تكاليف الاقتراض. كما أشارت إلى أن هدف خفض عجز الموازنة إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي لن يتحقق وفق التقديرات الحالية.
وفي هذا السياق، لا تقتصر المناقشات داخل فرنسا على حجم المساعدات المقدمة لأوكرانيا، وإنما تمتد إلى كيفية إدارة الإنفاق العام في ظل ارتفاع الدين وتزايد أعباء خدمة الدين. وتشير بيانات نقلتها صحيفة “لوموند” عن معهد كيل إلى أن إجمالي الدعم الفرنسي لأوكرانيا منذ بدء الحرب في عام 2022 بلغ نحو 26.2 مليار يورو، منها مساعدات ثنائية ومساهمات فرنسية في برامج المساعدة الأوروبية.
وكانت قضية المساعدات لأوكرانيا قد أثارت خلال الأسابيع الماضية نقاشًا داخل حزب التجمع الوطني، بعدما دعا عدد من قياداته إلى تقليص الدعم المالي المقدم لكييف، مستندين إلى ما وصفوه بالحاجة إلى ضبط الإنفاق العام الفرنسي. وفي المقابل، انتقد خصوم الحزب هذا التوجه، معتبرين أن تقليص المساعدات قد تكون له تداعيات على الدور الفرنسي داخل أوروبا وعلى السياسة تجاه الحرب الروسية الأوكرانية.
وتنسجم تصريحات لوبان مع موقف أوسع داخل التجمع الوطني بشأن ضرورة وضع حدود للدعم المالي الخارجي في ظل الظروف الاقتصادية الفرنسية. وكان جوردان بارديلا، رئيس الحزب، قد قال في وقت سابق إن بلاده لا يمكنها الاستمرار في تمويل الحرب إلى أجل غير مسمى، مطالبًا بوجود ضمانات بشأن الأموال التي تقدمها فرنسا لأوكرانيا.
وفي المقابل، فإن الدعم الفرنسي لكييف لا يقتصر على المساعدات المالية المباشرة، إذ يشمل أيضًا مساعدات عسكرية وتدريبًا ومساهمات ضمن برامج أوروبية مشتركة. ولذلك فإن أي تغيير في سياسة باريس تجاه أوكرانيا قد يرتبط بعدة مسارات، بينها الموازنة الفرنسية، والالتزامات الأوروبية، والتنسيق مع الحلفاء بشأن مستقبل الدعم لكييف.
وتأتي هذه التصريحات قبل الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة في عام 2027، ما يجعل ملف أوكرانيا والسياسة الخارجية جزءًا من النقاش السياسي الداخلي في فرنسا، إلى جانب قضايا الاقتصاد والدين العام والإنفاق الحكومي.
وأكدت لوبان أن فرنسا تستطيع، وفق طرحها، الاستمرار في بعض أشكال التعاون مع أوكرانيا، لكنها ترى أن تقديم الدعم المالي بالمستويات الحالية يتجاوز قدرة البلاد في ظل وضعها المالي الراهن. ويعكس هذا الموقف الجدل المتواصل داخل فرنسا بشأن الموازنة بين الالتزامات الخارجية والضغوط الاقتصادية والمالية الداخلية.