الأمن المائى فى أفريقيا.. خبير جيولوجى يحدد أبرز التحديات
كتبت / هينار ثروت
تواجه القارة الأفريقية مجموعة من التحديات المرتبطة بالموارد المائية، في مقدمتها التفاوت الكبير في توزيع المياه بين المناطق المختلفة، إذ تتمتع بعض الأقاليم بموارد مائية وفيرة، بينما تعاني مناطق أخرى من ندرة المياه والجفاف، وهو ما يجعل إدارة الموارد المتاحة من الملفات المهمة المرتبطة بالتنمية والأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي.
ويرى الدكتور عباس محمد شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية، أن التوزيع غير المتجانس للمياه يمثل أحد أبرز التحديات أمام تحقيق الأمن المائي في أفريقيا، إلى جانب عدم انتظام سقوط الأمطار واختلاف كمياتها من منطقة إلى أخرى. ويؤدي هذا التفاوت إلى وجود مناطق غنية بالمياه وأخرى تواجه ضغوطًا مستمرة لتوفير احتياجات السكان والأنشطة الاقتصادية.
ولا يرتبط التفاوت المائي بالموقع الجغرافي فقط، وإنما يتأثر أيضًا بالعوامل المناخية والطبيعية التي تميز القارة. فالأمطار لا تسقط بالمعدلات نفسها في جميع المناطق، كما تختلف فترات سقوطها من إقليم إلى آخر، الأمر الذي يجعل الاستفادة من مياه الأمطار مرتبطة بوجود بنية أساسية قادرة على التخزين والنقل وإعادة الاستخدام.
وتضم أفريقيا أحواضًا وأنهارًا مائية مشتركة بين عدد كبير من الدول، وهو ما يجعل إدارة الموارد المائية قضية تحتاج إلى التنسيق بين الدول الواقعة على الحوض المائي نفسه. وتزداد أهمية هذا التعاون مع وجود أنهار عابرة للحدود، حيث يمكن أن تؤثر المشروعات المائية والاستخدامات المختلفة للمياه في أكثر من دولة.
ويأتي التغير المناخي ضمن العوامل التي تضيف ضغوطًا جديدة إلى الموارد المائية، مع اختلاف تأثيراته من منطقة إلى أخرى. فبعض المناطق قد تتعرض لفترات أطول من الجفاف، بينما تواجه مناطق أخرى أمطارًا غزيرة وفيضانات، وهو ما يتطلب تطوير خطط للتعامل مع الظروف المناخية المتغيرة، وعدم الاعتماد على نمط ثابت في إدارة المياه.
كما تمثل درجات الحرارة المرتفعة ومعدلات التبخر عاملًا مؤثرًا في كمية المياه المتاحة للاستخدام، خاصة في المناطق الجافة وشبه الجافة. ومع ارتفاع درجات الحرارة، تزداد الحاجة إلى إدارة أكثر كفاءة للمياه وتقليل الفاقد، سواء في شبكات الشرب أو الزراعة أو عمليات التخزين.
وتعد الزراعة من أكثر القطاعات ارتباطًا بالموارد المائية في أفريقيا، خاصة أن جزءًا كبيرًا من سكان القارة يعتمد على النشاط الزراعي بصورة مباشرة أو غير مباشرة. ومن ثم فإن أي نقص في المياه أو اضطراب في مواسم الأمطار يمكن أن ينعكس على الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي، وهو ما يجعل تطوير أساليب الري وتحسين كفاءة استخدام المياه من الملفات المهمة خلال المرحلة المقبلة.
وتحتاج الدول الأفريقية كذلك إلى التوسع في مشروعات تخزين المياه والاستفادة من مياه الأمطار، إلى جانب تحسين شبكات نقل وتوزيع المياه، بما يسمح بالاستفادة من الموارد المتاحة وتقليل الفاقد. وتبرز هنا أهمية التكنولوجيا في مراقبة الموارد المائية، وتحليل البيانات المناخية، والتنبؤ بموجات الجفاف والفيضانات، بما يساعد على اتخاذ قرارات أكثر دقة.
ويمثل الاعتماد على البيانات والمعلومات الحديثة أحد العناصر الأساسية في تطوير إدارة المياه، خاصة مع اختلاف الظروف الجغرافية والمناخية بين الدول الأفريقية. ويمكن لتقنيات الاستشعار عن بعد والنماذج الرقمية وتحليل البيانات أن تساعد في تحديد المناطق التي تعاني من نقص المياه، ومتابعة التغيرات التي تطرأ على الموارد السطحية والجوفية.
ولا يمكن فصل قضية المياه عن التحديات السكانية، إذ يؤدي النمو السكاني إلى زيادة الطلب على مياه الشرب والغذاء والطاقة، بينما تظل الموارد المائية محدودة في عدد من المناطق. ولهذا فإن التخطيط طويل المدى يصبح ضروريًا لتحقيق التوازن بين احتياجات السكان والموارد المتاحة، مع مراعاة التغيرات المناخية والاقتصادية.
وتبرز كذلك أهمية المياه الجوفية باعتبارها أحد المصادر التي يمكن الاعتماد عليها في المناطق التي تعاني من محدودية الموارد السطحية، لكن استغلالها يحتاج إلى دراسات دقيقة للحفاظ على المخزون الجوفي ومنع الاستنزاف أو التلوث. كما أن معرفة طبيعة الطبقات الجيولوجية تساعد في تحديد إمكانات المياه الجوفية وطرق الاستفادة منها.
ويظل التعاون بين الدول الأفريقية أحد المحاور المهمة في التعامل مع الموارد المشتركة، خاصة الأحواض والأنهار العابرة للحدود. ويمكن للتعاون أن يشمل تبادل البيانات والخبرات، وتنفيذ المشروعات المشتركة، وتطوير نظم الإنذار المبكر، والاستفادة من التجارب الناجحة في إدارة المياه.
ومع اتساع التحديات المرتبطة بالمياه، تصبح الحلول القائمة على التكنولوجيا والبحث العلمي وترشيد الاستهلاك جزءًا أساسيًا من خطط التعامل مع الملف المائي في أفريقيا. كما أن تحسين البنية التحتية، وتطوير أساليب الزراعة والري، وزيادة قدرات التخزين، كلها خطوات يمكن أن تساعد في تقليل آثار التفاوت المائي.
وفي النهاية، فإن تحقيق الأمن المائي في أفريقيا لا يرتبط فقط بكمية المياه الموجودة، وإنما بكفاءة إدارتها وتوزيعها والاستفادة منها، إلى جانب قدرة الدول على التعاون في إدارة الموارد المشتركة والتعامل مع المتغيرات المناخية والسكانية. ويظل التوزيع غير المتجانس للمياه تحديًا رئيسيًا، لكنه يتطلب في الوقت نفسه سياسات مرنة وحلولًا علمية وتكنولوجية تتناسب مع طبيعة كل منطقة واحتياجات سكانها.










