حوار القوة الناعمة: الإسكندرية تحتفي بالإبداع الروسي في ليلة استثنائية

حوار القوة الناعمة: الإسكندرية تحتفي بالإبداع الروسي في ليلة استثنائية
بقلم ريم الرحماني
في ليلة سكندرية غمرها سحر التاريخ وعراقة الفن، وبدعوة كريمة من سيادة قنصل روسيا العام بالإسكندرية، كارين فاسيليان ومدير البيت الروسي ارسيني ماتيوسشينكو حظيتُ بحضور أمسية ثقافية لم تكن مجرد فعالية بروتوكولية، بل كانت تظاهرة إنسانية راقية تؤكد أن لغة الفن هي الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمان، وأن الثقافة هي “القوة الناعمة” القادرة على صياغة وجدان الشعوب وتقريب المسافات مهما باعدت بينها الجغرافيا.

منذ اللحظات الأولى، شعرتُ وكأنني انتقلتُ عبر زمن موازٍ يجمع بين عبق الإسكندرية الكوزموبوليتانية وفخامة التراث الروسي الأصيل. ولم تكن الموسيقى في هذه الأمسية مجرد خلفية للأحداث، بل كانت بطلاً مطلقاً تجسد في حضور “كورال توريتسكي” (M. Turetsky Choir) ومجموعة “سوبرانو” (Soprano).
هؤلاء الفنانون الذين جابوا العالم بمبادرتهم الشهيرة “أغاني الوحدة” (Unity Songs)، نجحوا في تحويل مسرح الأمسية إلى فضاء رحب من التناغم الإنساني. ببراعة مذهلة، امتزجت أصوات “التينور” و”الباص” مع رقة أصوات “السوبرانو”، ليعيدوا صياغة روائع الموسيقى العالمية والروسية بأسلوب عصري يخاطب الوجدان، مؤكدين أن الموسيقى هي القوة القادرة على توحيد القلوب تحت شعار واحد: الإنسانية أولاً.
لقد أثبتت هذه الأمسية أن الثقافة هي الجسر الذي نلجأ إليه لفهم “الآخر”. فمن خلال التعرف على الفنون التي قدمتها الأمسية، يدرك الحضور حجم القواسم المشتركة بين الشعبين المصري والروسي؛ كلاهما يقدر الفن، يحترم التاريخ، ويسعى دوماً لبناء جسور من التواصل الإنساني القائم على الاحترام المتبادل.
إن الدور الذي تلعبه القنصلية الروسية في الإسكندرية من خلال هذه الفعاليات، يتجاوز كونه نشاطاً دورياً؛ إنه “بناء للوعي” وإعادة إحياء للإرث الثقافي المشترك الذي امتد لعقود طويلة، جعل من موسكو والقاهرة شريكين في مسيرة التنوير والإبداع. إن الحوار بين الحضارات لا يبدأ فقط من طاولات المفاوضات، بل يبدأ من نوتة موسيقية، أو لوحة تشكيلية، أو قصيدة شعرية تلمس شغاف القلب.
خرجتُ من هذه الأمسية وأنا أحمل تقديراً كبيراً للجهود التي تبذلها البعثة الدبلوماسية الروسية في مد جسور المعرفة. شكراً لسيادة القنصل على هذه الدعوة الراقية، وشكراً للفن الذي يثبت يوماً بعد يوم أنه “المحيط” الذي يربط الشواطئ البعيدة ببعضها البعض.
ستظل الإسكندرية دوماً، كما كانت في هذه الليلة، منارة تتلاقى عندها الثقافات، ومحراباً للفن الذي يوحد البشر خلف راية “الجمال”.
..










