كيف يغير الذكاء الاصطناعى والتحول الأخضر شكل سوق العمل؟
كتبت / هينار ثروت
يشهد سوق العمل العالمي تغيرات متسارعة فرضتها التطورات التكنولوجية والتحولات الاقتصادية والمناخية، وأصبح الذكاء الاصطناعى والاقتصاد الأخضر من أبرز العوامل المؤثرة فى شكل الوظائف والمهارات المطلوبة خلال السنوات المقبلة، بالتزامن مع الحاجة إلى تطوير سياسات قادرة على مواكبة هذه المتغيرات.
وأكد الدكتور أشرف العربي، رئيس معهد التخطيط القومى ورئيس المؤتمر الدولى العاشر للمعهد، أن قضايا سوق العمل أصبحت فى مقدمة الملفات المطروحة على الساحة الدولية، فى ظل التغيرات التى يشهدها الاقتصاد العالمى وتأثير التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى والتغيرات المناخية على طبيعة الوظائف وفرص العمل.
وجاءت هذه التصريحات خلال فعاليات المؤتمر الدولى العاشر لمعهد التخطيط القومى، الذى يناقش قضايا سوق العمل والتنمية المستدامة، بمشاركة عدد من الوزراء والخبراء وممثلى المنظمات الدولية والمؤسسات المختلفة، إلى جانب باحثين ومتخصصين من مصر وخارجها.
وتشير المعطيات الدولية إلى استمرار عدد من التحديات أمام تحقيق هدف توفير العمل اللائق والنمو الاقتصادى، خاصة فى ظل تباطؤ معدلات النمو وضعف الإنتاجية، إلى جانب وجود نسبة كبيرة من العمالة خارج القطاع الرسمى. ووفق البيانات التى جرى عرضها خلال المؤتمر، يعمل نحو 58% من العمال على مستوى العالم فى القطاع غير الرسمى، مع تركيز واضح لهذه الظاهرة فى الدول النامية.
وتفرض هذه الأوضاع ضرورة وضع سياسات أكثر شمولًا لدعم انتقال العمالة غير الرسمية إلى الاقتصاد الرسمى، مع تحسين منظومات الحماية الاجتماعية وتعزيز حقوق العاملين، إلى جانب توفير فرص عمل منتجة ومستدامة.
الذكاء الاصطناعى يغير طبيعة الوظائف
يمثل الذكاء الاصطناعى أحد أبرز العوامل التى تعيد تشكيل أسواق العمل، مع توسع استخدام تطبيقاته فى قطاعات متعددة. ولا يقتصر تأثير هذه التقنيات على استحداث وظائف جديدة، بل يمتد إلى تغيير طبيعة عدد من المهن القائمة والمهارات اللازمة لشغلها.
وتبرز الوظائف متوسطة المهارة ضمن المجالات التى يمكن أن تتأثر بصورة أكبر بالتطورات التكنولوجية، وهو ما يزيد الحاجة إلى برامج تدريب وإعادة تأهيل تساعد العاملين على اكتساب مهارات جديدة تتناسب مع طبيعة سوق العمل المتغيرة.
كما يرتبط مستقبل الوظائف بقدرة المؤسسات التعليمية والتدريبية على الاستجابة لهذه التحولات، بحيث لا تقتصر عملية إعداد الشباب على المهارات التقليدية، وإنما تشمل المهارات الرقمية والقدرة على التعامل مع التقنيات الحديثة.
الاقتصاد الأخضر يخلق فرصًا جديدة
بالتوازى مع التطور التكنولوجى، يفرض التغير المناخى تحولًا متزايدًا نحو الاقتصادات المستدامة ومصادر الطاقة النظيفة، الأمر الذى يفتح المجال أمام ظهور وظائف مرتبطة بالاقتصاد الأخضر.
وتشمل هذه التحولات قطاعات ترتبط بالطاقة النظيفة وتقليل الانبعاثات وكفاءة استخدام الموارد، إلى جانب المجالات التى تدعم الانتقال إلى أنماط إنتاج أكثر استدامة. ومع تغير طبيعة الوظائف، تصبح إعادة تطوير مهارات العمالة عنصرًا أساسيًا لضمان قدرتها على مواكبة احتياجات الاقتصاد الأخضر.
مصر تعمل على تطوير سوق العمل
على المستوى المصرى، تمثل الاستراتيجية الوطنية للتشغيل التى أطلقتها وزارة العمل فى مايو 2026 أحد المسارات الرامية إلى تطوير سوق العمل، من خلال دعم فرص العمل اللائق والمستدام ورفع كفاءة الكوادر البشرية وتحقيق توافق أكبر بين مخرجات التعليم واحتياجات الاقتصاد.
كما تتكامل هذه التوجهات مع برنامج عمل الحكومة للفترة من 2024/2025 إلى 2026/2027، الذى يتضمن أهدافًا مرتبطة بتوفير فرص عمل ملائمة ورفع مهارات العمالة المصرية وتيسير الوصول إلى الوظائف.
وفى مجال الذكاء الاصطناعى، تتضمن التحركات المصرية الميثاق المصرى للذكاء الاصطناعى المسؤول، إلى جانب الإصدار الثانى للاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعى للفترة من 2025 إلى 2030، بهدف دعم القدرات الوطنية والتوسع فى المهارات الرقمية وتهيئة فرص جديدة فى المجالات التكنولوجية.
ويبرز مستقبل سوق العمل المصرى باعتباره مرتبطًا بدرجة كبيرة بقدرة منظومات التعليم والتدريب والتشريعات والسياسات على مواكبة التحولات المتلاحقة، خاصة مع التداخل بين التطور التكنولوجى والتحول الأخضر والتغيرات الديموجرافية.
كما ناقش موجز سياسات أصدره معهد التخطيط القومى فى ديسمبر 2025 عددًا من القضايا المرتبطة بالفجوة بين العرض والطلب على العمالة، وتأثير التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى والتحول الأخضر على المهن، إلى جانب دور التعليم والتدريب فى سد فجوة المهارات.
وتشير هذه التحولات مجتمعة إلى أن سوق العمل يتجه نحو مرحلة جديدة تتطلب مرونة أكبر من العاملين والمؤسسات، مع التركيز على تطوير المهارات واستمرار الحوار بين صناع السياسات والخبراء وأصحاب الأعمال، بما يساعد على بناء سوق عمل أكثر قدرة على توفير فرص منتجة ولائقة ودعم مسار التنمية المستدامة.











