القلم والمشرط … كأن الزواج صراع

القلم والمشرط … كأن الزواج صراع
بقلم د. أحمد الوحش
عاصفةٌ تضرب القلوب، فتمحي معالمها الجميلة، وتشوه الصورة الكائنة داخل النفوس، وتبقى آثارها مدفونة تحت ركام انعدام المسئولية، وأنقاض التخلي، وأحيانًا يعتبرها البعض بابًا لسجنٍ مشددٍ قد انفتح بعد معاناةٍ تتهاوى أمامها الأحلام، ونزيفٍ من المشاعر لا يمكن تعويضه مهما مرت الأيام، وخذلانٍ لكلِّ أمنيات البدايات، لكنه يظل في كل الأحوال نارًا تحترق بها شجرة الأسرة، وتكتوي به قلوب ضحاياه من الصغار الأبرياء، فهو أبغض الحلال.
في الماضي كانت الحياة بسيطةً في متطلباتها، واختياراتها محدودة، ولا يكاد سقف التوقعات يتخطى فكرة العيش دون حاجة، أو كما يطلق عليه البعض “الستر، والصحة”، وأفضل مثال على ذلك كبار السن في الريف المصري؛ حيث لم يمتلك أغلب الرجال المال، إنما الشهامة، والخصال النبيلة، وقطعة أرضٍ صغيرةٍ بالكاد تكفي أهلها ذل الحاجة، وبعض رؤوس الماشية، وعددٌ من الدجاجات التي توفر لهم ما يحتاجونه من طعامهم اليومي، ولم تمتلك النساء إلا التفهم، والصبر، والمثابرة، والحب الصادق.
على الرغم من أن حياتهم كانت بسيطةً، وصعبةً للغاية إلا أنهم عاشوا حياة المشاركة، فشاركت المرأة بفطرتها زوجها في فقره، ومرضه، وعمله، وأوقاته العصيبة، وشارك الرجل زوجته في مرضها، وأوقاتها العصيبة، وكل ما يشغل بالهم هو تخطي الصعاب معًا، وتحمل قسوة الحياة، وتربية أبنائهم.
لقد جعلتهم تلك الحياة المحدودة شاكرين لله على نعمه، وكلُّ شيء جميل في حياتهم يُشعِرَهم بالامتنان، والسعادة، فكلمة طيبة من الزوج لزوجته أفضل بكثير من أي أموالٍ، أو هدايا، أو غيرها من الأمور التي تعبر عن الزواج الناجح.
بكل أسفٍ أصبحت أغلب العلاقات سريعًا ما تنهار؛ حيث يستمد شباب اليوم أفكارهم عن الزواج من الأفلام الرومانسية، محضُ توظيف، وضخ للمشاعر الزائدة عند المراهقين لملء فراغهم العاطفي؛ ليشعروا بسعادة مؤقتةٍ دون التأني في الاختيار، أو حتى معاييره، فيعلو سقف التوقعات واقعَ اليوم، وانشغل الجميع بقهر المستحيل في تناسي للأسس السليمة التي يُبنى عليها الزواج الناجح، وتغاضى الجميع عن حقيقة أننا بشر ولسنا ملائكةً.
تعددت الخيارات في الحياة، فأصبحت المتطلبات بلا نهاية.
حالةٌ من الجوع الدائم، وانعدام الشبع من الرغبات -كانت أساسية أو غير أساسية- بغض النظر عن الإمكانيات الفعلية، والظروف المحيطة، الكل يريد، لكن لا أحد يفكر لوهلةٍ ما الذي قدمه للآخر؟
أصبح الزواج عبئًا كبيرًا أثقل كاهل الآباء بالديون، ولم تعد ثقافتنا الآثمة من إقامة أفراح بمئات الآلاف من الجنيهات مناسبة بأي حال من الأحوال، فهل تساءلنا يومًا عن ارتفاع نسبة الطلاق في العام الأول من الزواج؟ هل يتوجب على والد العروس أن يشتري من كلِّ شيءٍ نسختين أو أكثر؟
للأسف نسبة الطلاق في العام الأول هي الأعلى لأسبابٍ أغلبها يمكن معالجتها بسهولة، وعلى رأسها عدم التفاهم بين الزوجين نتيجة لعدم التأني في الاختيار، ومحدودية القدرة لتلبية المتطلبات الزائدة، وعدم الفهم السليم لفطرة المشاركة، وانكارها نتيجة للفهم الخاطئ، والثقافة الآثمة المنتشرة بين الذكور، والإناث كأن الزواج معركة لإثبات النفس بين الطرفين، وهناك فائز، وخاسر، لا تكامل في منظومة واحدة.
تعد القدرة المادية المحدودة للزوجين -التي لا تكفي تطلعاتهما الزائدة عن متطلباتهما الأساسية- في سنوات الزواج الأولى أحد الأسباب الرئيسية للطلاق، وهو أمرٌ طبيعي، فلا يوجد بداية سهلة، لكن ماذا لو وفرنا تكلفة حفل الزفاف كدعم مادي لهما؟ ألن يشكل ذلك فرقًا كبيرًا؟
انعدام الثقة في أحيانٍ أخرى قد تكون السبب، كثيرًا ما نسمع عن زوجة غادرت منزل الزوجية آخذةً ذهبها معها بعد أول خلاف دار بينهما، وهو ما يجعلنا نتساءل أليست هذه أيضًا ثقافة آثمة ونية مسبقة لضعف الترابط بينهما نتيجة لانعدام الثقة؟
لم يعد الطرفان يكترثان إلى مبدأ التعايش، لكن كل ما يشغل بالهما هو تلبية المتطلبات، وإشباع الرغبات لا أداء الواجبات.
في بعض الأحيان نلاحظ تحكم الأهل، وتدخلهم في اختيارات، وقرارات الزوجين مما يسبب حالة من التشتت، والامتعاض، وقد يتطور ذلك إلى الانفصال في كثير من الأحيان، كما أن الزواج المبكر لقليلي الخبر، وعديمي المسئولية ينتج عنه طلاقًا سهلاً دون الاكتراث لعواقبه الوخيمة.
يأتي الدور على الشيطان الأكبر، والفتنة الكبرى التي دخل حرها إلى كلِّ بيتٍ من بيوت المسلمين، وهو الهاتف المحمول، وما يتضمنه من مواقع التواصل الاجتماعي؛ حيث هناك ثقافة المقارنة، والاختيارات كالغسالات الأمريكية، والتلفاز الفرنسي، والمكنسة اليابانية ذات الأسعار الباهظة، والتي لا تتناسب مع الظروف المادية لمتوسطي، ومحدودي الدخل، كما أعطت مواقع التواصل الحق لغير المثقف في إبداء الرأي، ونشر التجارب السيئة عن الزواج، وثقافة المطالبة بالحقوق دون أداء الواجبات.
ينكب الزوجان على هاتفيهما طوال اليوم تاركين نقاشاتٍ ضرورية لاكتشاف بعضهما البعض، أسيران في عالمٍ واقعه وهم متى يستفيقا من غيبوبتهما يجدا نفسيهما غريبين تحت سقفٍ واحد في عالم المسئوليات والعيوب، فيمسكان هاتفيهما من جديد؛ ليغيب عنهما الوعي.
عزيزي القارئ، إن الزواج تكاملٌ لا حرب، وهو اختيارٌ لا اجبار، فأحسن اختيارك، وتعامل مع شريك/ة حياتك بلينٍ، فما فائدة الغلظة؟ وما فائدة العناد؟ هل تريد أن تعيش حياة هادئة سعيدة؟ أم تختار الحياة التعيسة؟
إذا أردت السعادة لا تقاوم، واترك نفسك مع التيار، واعلم أن الآخر لا يجب أن يكون مثلك تمامًا، كما لا يتوجب عليك أن تكون مثله، إنما التفاهم، وتقبل النقص البشري في كلٍّ منا، وتقبل الأخطاء، والنصح بكلِّ حبٍ أمرٌ ضروري لاستمرار الحياة، فغضبك الزائد عن الحد يعمق جرح زوجتك يومًا بعد يوم، ويبعد المسافة بينكما، وعليك مساعدة زوجتك في أعمال المنزل؛ لأن عمل الزوجة في بيتها تفضل منها لا واجب عليها، والمرأة مرآة الرجل إذا أحسن إليها ابتسمت، وإذا أساء إليها حزنت، فلا تكسر مرآتك التي تعكس رجولتك.
عزيزتي الزوجة، إن المرأة العنيدة اختارت الشقاء طريقًا لها، والمرأة المطلقة يعد الزواج نارًا أحرقتها، ومن اشترت كل ما هو غالٍ؛ لتتفاخر به لا يضمن ذلك نجاح زواجها، فلا تستمعي لأيٍّ من هن، واستمعي لقلبك، فلا يصنع المال الزواج الناجح، لكن الزواج الناجح تصنعه إرادة الإنسان، واختياره للسعادة.
أخي، وأختي، إن النقص البشري أجمل ما يميزنا، فعجز المرأة عن أداء بعض المهام شيء طبيعي؛ لأن زوجها يكملها، وعجز الرجل في بعض الأمور لا يعيبه، فيستطيع قهر كل ما يعجز عنه بتشجيع زوجته، الأمر يتوقف على رؤيتنا للأمور، وتقبلنا لها، وطريقة تعامل عقولنا مع ما يدور حولنا.
حفظكم الله، ورعاكم، ورزقكم السعادة، ونعمة الزوج/ة الصالح/ة، ورزقكم الذرية الصالحة
نقدم لكم من خلال موقع (الرأى العام المصرى )، تغطية ورصدًا مستمرًّا على مدار الـ 24 ساعة لـ أسعار الذهب، أسعار اللحوم ، أسعار الدولار ، أسعار اليورو ، أسعار العملات ، أخبار الرياضة ، أخبار مصر، أخبار اقتصاد ، أخبار المحافظات ، أخبار السياسة، ويقوم فريقنا بمتابعة حصرية لجميع الأحداث الهامة و السياسة الخارجية والداخلية بالإضافة للنقل الحصري لـ أخبار الفن والعديد من الأنشطة الثقافية والأدبية.
لمتابعة صفحة الرأى العام المصرى على فيس بوك اضغط هنا
لمتابعة الرأى العام المصرى على الانستجرام اضغط هنا









