القلم والمشرط: لماذا تسقط الإمبراطوريات !؟ قراءة في تاريخ الأمم

القلم والمشرط: لماذا تسقط الإمبراطوريات !؟ قراءة في تاريخ الأمم
بقلم د. أحمد الوحش

إن شدة اندفاع الماء عند منبع النهر ليست ضمانًا لقوته عند المصب؛ فكثيرًا ما تتحول ذروة الاندفاع إلى بداية الأفول، وحين يشتد التيار تتآكل الضفاف، ويتسع المجرى حتى يتشعب، فيتفرق الماء، ويتشتت بعد أن كان قوة واحدة متدفقة، فيا لها من مفارقة أن تكون لحظة الذروة أحيانًا هي بداية الضعف!
تتوالى الأيام، وتقوم الإمبراطوريات على أنقاض الأخرى، والعوامل التي تمنح الدول الصاعدة مجدها هي ذاتها التي تسلبه من الأخرى في لحظات الإنهيار.
لعل المثال الأشهر هو الإمبراطورية البريطانية، والتي بنت قوتها على ثلاث ركائز أساسية: السيطرة البحرية، والانتشار الاستعماري الواسع، وشبكات التجارة العالمية. كانت هذه العناصر مصدر هيبتها، وهيمنتها؛ إذ ربطت قارات العالم ببعضها البعض، وحولت لندن إلى القلب النابض للنظام الاقتصادي العالمي، لكن هذه القوة نفسها حملت في داخلها بذرة التآكل، فالانتشار الواسع عبر القارات جعل الإمبراطورية تمتد إلى حدٍّ يصعب إدارته والمحافظة عليه، ولفرض النفوذ مع اتساع الرقعة الجغرافية احتاجت إلى مزيد من الجيوش والأساطيل ومقومات الإدارة والموارد لحمايتها.
ومع مرور الزمن، لم تعد المستعمرات مصدر ثراء صافٍ كما كانت في البداية، بل أصبحت عبئًا ثقيلًا يستهلك قدرًا هائلًا من الطاقة السياسية والاقتصادية.
ومع تغير موازين القوى بعد الحربين العالميتين، وكثرة الجبهات، واستنزاف الموارد جاءت المفارقة، فالشبكة العالمية التي أنشأتها بريطانيا لنشر نفوذها -من طرق التجارة، والموانئ، والسكك الحديدية، والتعليم الحديث- أسهمت أيضًا في نشر أفكار القومية، والوعي السياسي داخل المستعمرات نفسها، وأصبحت الأدوات التي استُخدِمَت لإدارة الإمبراطورية، وفرض هيمنتها هي أدوات تنظيم الحركات التي طالبت بالاستقلال لاحقًا، وتآكلت الدولة يومًا بعد يومٍ حتى غربت شمس الإمبراطورية التي لا يغيب عنها الشمس.
قبل ذلك بقرون شهد العالم قصة مشابهة، فقد شيدت روما شبكة طرق عظيمة حتى شاع القول: “كل الطرق تؤدي إلى روما”، وكانت تلك الطرق رمز التنظيم الإداري، والهيمنة العسكرية، والتوسع المفرط لآلاف الكيلومترات من الحدود، لكن مع مرور الوقت أصبحت إدارة تلك المساحات الشاسعة أمرًا صعبًا، والدفاع عنها مكلفًا للغاية، فتفرقت الفيالق على جبهات كثيرة كما تتفرق مياه النهر، ناهيك عن العوامل الداخلية الأخرى كالصراعات على الحكم، وكثرة الاغتيالات، فأدى ذلك إلى فقدان الاستقرار السياسي، وترهل الدولة، وهنا كانت المفارقة أن شبكة الطرق التي فرضت بها روما سيطرتها على العالم سهلت غزوها من القبائل الجرمانية مثل القوط الغربيين، والوندال، والهون حتى بدت وكأن كل الطرق تؤدي في النهاية إلى سقوط روما؛ لتُطعَن روما في قلبها، ويخُلَع آخر أباطرة الغرب رومولوس أوغستولوس على يد القائد الجرماني أودواكر عام ٤٧٦م.
إن ما يجمع بين هذه النماذج التاريخية هو الوقوع في فخ الإمبريالية التوسعية، فحين تبلغ الإمبراطوريات ذروة قوتها يغريها التمدد أكثر وأكثر، لكنها في لحظة ما تتجاوز القدرة على الإدارة والضبط، فيتحول التوسع من مصدر قوة إلى سبب في التآكل والانهيار.
في عصرنا الحديث، تبدو الولايات المتحدة الأمريكية أقرب مثال على هذا التحدي التاريخي، فمنذ نهاية الحرب الباردة تربعت عرش العالم، وانتشر نفوذها العسكري والسياسي في مناطق واسعة من العالم، غير أن هذا التمدد يضعها باستمرار أمام السؤال ذاته الذي واجه الإمبراطوريات السابقة: إلى أي حد يمكن لهذه القوة أن تتمدد دون أن تتحول إلى عبء؟
في هذا السياق تبرز سياسات بعض القادة مثل دونالد ترامب، التي اتسمت أحيانًا بنزعة المواجهة والتصعيد خصوصًا تجاه إيران، وبعض الدول الأخرى، فالدفع نحو صدام مباشر مع قوة إقليمية كبيرة في منطقة شديدة التعقيد قد يبدو للبعض استعراضًا للقوة، لكنه في منطق التاريخ قد يتحول إلى خطوة محفوفة بالمخاطر؛ إذ إن فتح جبهات جديدة في بيئة إقليمية مصالحها متشابكة، ومعقدة للغاية قد يؤدي إلى استنزاف سياسي واقتصادي وعسكري، وهو ما وقع فيه كثير من القوى العظمى من قبل، وليس المقصود هنا التنبؤ بسقوط وشيك، لكن ببداية الأفول، والتآكل.
إن التاريخ لا يكرر نفس الرواية حرفيًا، لكنه يكشف نمطًا متكررًا، فحين يثقل الإمبراطوريات عبء الحفاظ على هيمنتها، والحنين إلى الماضي، واستذكار ذروة مجدها الممزوج برفض تحديات الحاضر تميل أحيانًا إلى الإفراط في استخدام القوة، والسعي لمزيد من التمدد لإثبات نفوذها، فتقع في فخ الإمبريالية التوسعية.
عزيزي القارئ، حين تتجاوز نيران النفوذ حدود التوازن تلتهم الامبراطوريات نفسها.
…










