جيش مصر والذكاء الاصطناعي: بين غياب المؤسسات المدنية وحضور قائد الدولة

تم نسخ الرابط بنجاح!
👁️ 10,174 مشاهدة

مؤتمر كيان المرأة المصرية .. تكريماً لمجهود كل امرأة تحت شعار رائدات النجاح 14

جيش مصر والذكاء الاصطناعي: بين غياب المؤسسات المدنية وحضور قائد الدولة

كتبت حسناء حلمي

مصر
مصر

حديث الرئيس عبد الفتاح السيسي الأخير في الأكاديمية العسكرية وأكاديمية الشرطة كان مثيرًا للمشاعر المتناقضة، فقد حمل في طياته البهجة والألم معًا. البهجة جاءت من الكلمات التي صاغت رؤية واضحة تجاه أهمية الحاسبات والذكاء الاصطناعي، حيث أعلن الرئيس عن فتح أبواب الأكاديمية العسكرية أمام جميع الناجحين في هذا المجال، مع تقديم برامج تعليمية مكثفة، وإقامة كاملة، وتحديث مستمر للمناهج، ومضاعفة أعداد المقبولين بالألاف مع تخرج كل دفعة. إنها خطوة تعكس الوعي بأهمية قطاع الحاسبات في تشكيل مستقبل مصر، وتؤكد أن الدولة، ممثلة في القوات المسلحة، قررت أن تكون في طليعة الثورة الرقمية.

لكن الوجه الآخر لهذا المشهد يبعث على الحزن، لأنه يفضح تقاعس القطاع المدني عن الاضطلاع بمسؤولياته في هذا الملف الحاسم. طوال أكثر من 20 عامًا، فشل المسؤولون المدنيون في التعليم العالي، والنقابات المهنية، والمؤسسات البرلمانية في التوافق على مسار واضح لخريجي كليات الحاسبات. تضاربت المصالح، وغلبت النزعات الفئوية، وأُهدرت فرص كانت كفيلة بجعل مصر من الدول الرائدة في هذه المجالات، تمامًا كما فعلت أوروبا وأمريكا وآسيا، بل وحتى دول عربية شقيقة مثل السعودية والأردن، التي حسمت أمرها وانطلقت نحو المستقبل.

هذا المشهد ليس مجرد خلل إداري، بل هو تعبير عن أزمة أعمق في إدارة الموارد الوطنية. لقد ترك القطاع المدني ساحة الحاسبات والذكاء الاصطناعي فارغة، فانبرى الجيش لملء الفراغ. منذ عام 2019، تولت القوات المسلحة هذا الملف الاستراتيجي، وتخرجت أولى دفعات المتخصصين من الأكاديمية العسكرية، حيث أصبح لديهم مؤهل يعادل بكالوريوس الحاسبات في سلاحا الحرب الإلكترونية والدفاع الجوي. وعندما تخرجت أولى الدفعات في أكتوبر هذا العام كان الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس الإماراتي محمد بن زايد في مقدمة الحضور، في احتفال يليق بحجم الإنجاز.

في المقابل، ما زالت نقابة المهندسين تنتظر قرار المجلس الأعلى للجامعات، بينما المجلس الأعلى ذاته يفكر في إنشاء نقابة مستقلة أو تحويل الخريجين إلى نقابة العلميين(تحت الحراسة القضائية)، في حين يطرح البرلمان فكرة ضمهم إلى نقابة التكنولوجيين. كل هذه النقاشات تدور بينما الواقع الدولي تجاوز هذه المعضلات الشكلية، لأن التصنيف الدولي لحملة شهادات الحاسبات محسوم منذ سنوات.

هنا، يبرز السؤال الكبير: لماذا يحكم الجيش مصر منذ عام 1952؟ الجواب قد يكون صادمًا لبعضهم، لكنه واضح أمام من يقرأ المشهد بوعي. الجيش يحكم لأن القطاع المدني يعجز عن إدارة الموارد المتاحة له. الملف الذي سيطر عليه المدنيون في العالم كله، وحرك اقتصادات الدول الكبرى، وأصبح جزءًا فارقا من الحروب الحديثة، تُرك في مصر لمدة ربع قرن دون حسم. والنتيجة أن الجيش اضطر للتدخل، فتحرك بسرعة وكفاءة، فاحتل المدنيون مقاعد المتفرجين، ثم بدأوا بالتساؤل عن سبب تولي الجيش للقيادة!

الواقع أكثر وضوحًا مما قد نتصور. عندما تكون هناك “بيضة مقشرة”، كما يقول المثل الشعبي، فسيأخذها من يستطيع توظيفها. القوات المسلحة لم تترك الموارد تهدر، بل استثمرتها في تأسيس جيل من الكوادر القادرة على قيادة مستقبل مصر في كل قطاعات الحاسبات والذكاء الاصطناعي. هؤلاء المتخصصون العسكريون من حملة بكالوريوس الحاسبات، خلال سنوات قليلة، سيصبحون قادة في المؤسسات، وزراء، محافظين، ومدراء،
المفارقة المؤلمة هي أنه عندما يحدث ذلك، سيخرج بعض الأصوات تندد بتغوّل “العسكر” على المناصب المدنية، دون إدراك أن هذه المناصب كانت متاحة للجميع، لكن لم يستطع أحد ملء الفراغ. السؤال الذي يجب أن نطرحه هنا ليس: “لماذا أخذوا مكاننا؟” بل: “لماذا تركنا أماكننا شاغرة؟”

قد يبدو هذا التحليل قاسيًا على بعض القطاعات المدنية، لكنه لا يقصد الإساءة لأحد، بل هو دعوة للاستفاقة قبل فوات الأوان. لقد دخل الجيش في ثورة الذكاء الاصطناعي، بينما لا تزال أطراف سياسية أخرى تعيش على ذكرى ثورة يناير 2011. بين من يخطط للمستقبل، ومن يحنّ للماضي، ستبقى المسافة شاسعة. الأدوات التي تصنع الثورات تغيرت، والعقول التي تقود المستقبل ليست هي ذاتها التي قادت الحشود في الشوارع. عقارب الساعة لا تعود إلى الخلف، ومن يعتقد أن بإمكانه تكرار المشهد بنفس الأدوات، فهو لا يرى أن الثورة الحقيقية الآن تجري بالفعل لكن ليس في الميادين.

إننا في زمن تكتب فيه الحوسبة معادلات السلطة، حيث تسيطر الدول على المستقبل ليس بالجيوش التقليدية، بل بالكفاءات السيبرانية، بحملة الشهادات المتخصصة في الحاسبات، وبخبراء الذكاء الاصطناعي. إسرائيل، على سبيل المثال، استخدمت الهجمات السيبرانية كجزء من استراتيجيتها العسكرية، كما حدث في الهجوم الأخير الذي دمر 3000 جهاز بيجر تابع لحزب الله. العالم كله يدرك أن حروب الغد لن تُحسم بالدبابات، بل بالبرمجيات.

الحاسبات والذكاء الاصطناعي ليس رفاهية، ولا مجرد ملف أكاديمي، بل هو ساحة صراع عالمي، ومن لا يشترك فيه اليوم سيجد نفسه على الهامش غدًا.

لا أريد أن يفهم من المقال أنني ألقي باللوم على المؤسسات المدنية في مسألة لا يتحملون مسؤوليتها كاملة، حيث أن القطاع المدني تم تفريغ مؤسساته من الصلاحيات تدريجيًا. وتحويل دفة القيادة إلى القوات المسلحة لم يكن نتاج “تقاعس” المؤسسات المدنية وحده، بل جاء بدعم واضح من القيادة السياسية للدولة، التي فضلت إسناد المهام الجوهرية إلى الجيش، ما أدى إلى إضعاف المؤسسات المدنية وحرمانها من أدوات الفعل والتأثير.

إن الحديث عن “غياب المدنيين” يجب أن يُقرأ في هذا السياق، فلا يمكن لوم جهة مُنعت من ممارسة صلاحياتها لعقود. المؤسسات المدنية، سواء في التعليم أو في القطاعات الاقتصادية أو في مجالات التنمية، لم تكن تملك القرار المطلق. على العكس، كانت تواجه موجات من التهميش والإزاحة.

لكن هذا لا ينفي أن هناك حالة من الجمود طالت بعض المؤسسات المدنية. ربما كنا نتوقع تحركًا أسرع أو استجابة أكثر فاعلية، لكن الواقع أكثر تعقيدًا. فالمسألة ليست مجرد “فرصة ضائعة” بقدر ما هي منافسة غير عادلة بين مؤسسات تُعزز بالدعم الكامل وأخرى مجردة من أدواتها.

في النهاية، من حق الجميع أن يشارك في قيادة مصر، لكن القيادة ليست حقًا مكتسبًا، بل هي استحقاق يُنتزع بالكفاءة. من يزرع اليوم يحصد غدًا، ومن يفرّط اليوم سيجد نفسه يتساءل بعد سنوات: “كيف ضاعت الفرصة؟” الجيش المصري لم يأخذ مكان أحد، بل ملأ فراغًا تركه الآخرون، حتى لو كان هذا الترك غير متعمد. هذا درس قاسٍ، لكنه ضروري لكل من يطمح إلى مستقبل أفضل. فإما أن نشارك في كتابة هذا المستقبل، وإما أن نكتفي بقراءته في نشرات الأخبار.

ارتفاع مؤشرات البورصة بمستهل تعاملات جلسة الإثنين 1

اقرأ أيضًا:

نقدم لكم من خلال موقع (الرأى العام المصرى )، تغطية ورصدًا مستمرًّا على مدار الـ 24 ساعة لـ أسعار الذهب، أسعار اللحوم ، أسعار الدولار ، أسعار اليورو ، أسعار العملات ، أخبار الرياضة ، أخبار مصر، أخبار اقتصاد ، أخبار المحافظات ، أخبار السياسة، ويقوم فريقنا بمتابعة حصرية لجميع الأحداث الهامة و السياسة الخارجية والداخلية بالإضافة للنقل الحصري لـ أخبار الفن والعديد من الأنشطة الثقافية والأدبية.

تم نسخ الرابط بنجاح!