الرئيسيةالعدد الورقىمقالات
حين تبدلت الأدوار
“حين تبدلت الأدوار”
____________________
كتبت : الأديبة والشاعرة سهام حلمى
لم تعد الأزمة الحقيقية في هذا الزمن قلة المال، ولا ضيق المعيشة، ولا حتى صعوبة الأيام كما يظن البعض.
الأزمة الأعمق، والأكثر وجعًا، هي ذلك التحول الصامت الذي أصاب معنى الرجولة نفسها، حتى أصبح كثير من البيوت يعيش حالة ارتباك خفية؛ امرأة تحمل فوق كتفيها أدوارًا متعددة، ورجل يتراجع خطوة بعد أخرى عن موقعه الطبيعي في الأسرة، لا لضعف الجسد، بل لغياب المعنى.
لقد تربت أجيال كاملة على صورة الأب الذي يمثل السند، والاحتواء، والحكمة، وهيبة القرار. لم تكن الرجولة يومًا صوتًا مرتفعًا، ولا قسوة عابرة، بل كانت قدرة على الحماية النفسية قبل المادية، وعلى الثبات وقت الأزمات، وعلى حمل الأسرة بقلب مطمئن حتى حين تتعب الحياة.
أما اليوم، فقد تبدلت أمور كثيرة، حتى أصبحنا نرى امرأة تقاتل وحدها لتحتوي البيت والأبناء، بينما ينسحب بعض الرجال من مسؤولياتهم النفسية والتربوية، وكأن وجودهم مجرد صورة داخل المنزل لا روح فيها.
لكن المشهد لم يعد يقتصر فقط على الرجل الغائب أو المستهتر كما يتصور البعض، بل ظهرت صورة أخرى أكثر غرابة وتعقيدًا؛ رجل يؤدي واجباته المادية كاملة، يعمل ويتعب وينفق على بيته وأبنائه دون تقصير، لكنه في المقابل أصبح ضعيف الحيلة داخل منزله، فاقدًا لهيبته النفسية، مرتبكًا أمام حدة الزوجة وسيطرتها، يخشى غضبها، ويتنازل باستمرار خوفًا من التهديد بالرحيل أو هدم البيت.
والأكثر إثارة للتأمل، أن هذه الحالة لم تعد مرتبطة بكون المرأة صاحبة منصب أو نفوذ أو استقلال مادي كما كان يعتقد البعض، بل امتدت إلى بيوت بسيطة جدًا، قد تكون فيها الزوجة محدودة التعليم أو بعيدة تمامًا عن أي موقع قوة اجتماعية، ومع ذلك أصبحت صاحبة الصوت الأعلى والكلمة الأقوى، بينما يقف الرجل في حالة استسلام صامت، يتمسك بالعلاقة مهما تعرض للإهانة النفسية أو التقليل من قيمته.
وهنا لا يصبح السؤال: من الأقوى؟
بل: كيف وصل البيت أصلًا إلى هذه الصورة المختلة؟
فالعلاقة الطبيعية لا تقوم على صراع إرادات، ولا على كسر طرف لطرف آخر، لأن الأسرة ليست ساحة انتصار وهزيمة.
وحين يفقد الرجل حضوره النفسي داخل بيته، لا تتضرر صورته وحده، بل يختل التوازن العاطفي للأسرة بأكملها.
فالطفل الذي يرى أباه ضعيف الشخصية أمام التهديد المستمر أو السيطرة القاسية، يكبر وهو فاقد للصورة المتوازنة عن معنى الرجولة والقيادة والاحتواء.
والبنت كذلك قد تفقد شعورها بالأمان النفسي، لأن المرأة بطبيعتها، مهما بدت قوية، تحتاج أن تشعر بوجود رجل ناضج يحتوي المواقف بحكمة وثبات، لا رجل يعيش في حالة خوف دائم من انهيار العلاقة.
ولعل ما أوصل بعض الرجال إلى هذه الحالة هو تراكم طويل من الضغوط النفسية والهزائم الداخلية وفقدان الثقة بالنفس، حتى أصبح بعضهم يظن أن الحفاظ على البيت يعني التنازل المستمر عن كرامته وهيبته وحقه في الاحترام.
بينما الحقيقة أن البيت لا يستقر بالخوف، ولا يستمر بإلغاء شخصية أحد الطرفين.
كما ساهمت بعض الأفكار الحديثة المشوشة في تحويل العلاقات الزوجية إلى معركة خفية لإثبات السيطرة، بدل أن تكون مساحة مودة ورحمة وسكن نفسي.
فأصبح كل طرف أحيانًا يسعى للغلبة لا للتفاهم، ولإثبات القوة لا لصناعة الأمان.
والمؤلم حقًا أن كثيرًا من البيوت باتت تعيش هذا الخلل بصمت، أمام أبناء يلتقطون كل شيء، حتى نبرة الصوت، وطريقة الحديث، ونظرات الانكسار أو التسلط، ثم يحملون تلك الصور معهم إلى مستقبلهم النفسي والعاطفي.
فالرجولة ليست قسوة، كما أن قوة المرأة ليست إلغاءً للرجل.
البيت الصحي لا يحتاج رجلًا متجبرًا، ولا امرأة متسلطة، بل يحتاج روحين ناضجتين تعرفان أن الاحترام المتبادل هو العمود الحقيقي الذي تستند إليه الأسرة.
وما تزال الحياة، رغم كل ما تبدل فيها، تحتاج إلى رجل يعرف كيف يكون حاضرًا نفسيًا لا ماديًا فقط، وكيف يحافظ على كرامته دون ظلم، وعلى بيته دون ضعف، وعلى توازن أسرته دون أن تتحول العلاقة إلى معركة خفية تستنزف الجميع.
فالبيوت لا تبنى فقط بالطعام والمال، بل تبنى بذلك الشعور العميق الذي يجعل الأسرة كلها تشعر أن الحب فيها لا يلغي الهيبة، وأن الرحمة لا تعني الانكسار، وأن المودة الحقيقية لا تقوم أبدًا على خوف أحد الطرفين من الآخر
تم نسخ رابط الخبر










