حين نفتقد الأشياء

الأديبة والشاعرة سهام حلمى

تم نسخ الرابط بنجاح!
👁️ 10,157 مشاهدة

           حين نفتقد الأشياء

 

كتبت :الأديبة والشاعرة سهام  حلمى

 

ثمة أشياء صغيرة في حياتنا كانت تحيط بنا ببساطة، تتكرر حتى أصبحت جزءًا من خلفية الأيام، فلم نلتفت إليها بما يكفي. لم ننتبه إلى جمالها إلا حين ابتعدت، ولم ندرك قيمتها إلا عندما سقط صمتها في داخلنا بصوت يشبه الفقد.

هناك لحظات كانت تمر كأنها عابرة:
ضحكة لم نلتفت إلى نورها، يد امتدت لتساعدنا دون أن تنتظر شكرًا، كلمة مطمئنة جاءت في وقتها ولم نعلم أنها كانت حائطًا يسندنا، أو غياب خفيف ظنناه عاديًا ثم اكتشفنا أنه كان بداية تبدل الأشياء من حولنا.

الانسان لا يرى قيمة الشيء إلا حين ينطفئ حضوره من حياته. كأن الزمن يتواطأ مع الغفلة، فلا يعلمنا إلا بعد فوات الأوان.
نتسائل: كيف لم نشعر؟ كيف لم ننتبه؟ كيف مرّ ذلك كله ونحن عميان عن المعنى؟
لكن الإجابة أبسط مما نتخيل…
نحن نعتاد، والاعتياد يجعلنا نظن أن ما نملك دائم، وأن ما يحيط بنا سيبقى الى الأبد، وأن الأشياء التي تكرر وجودها لن تغادر مهما قسونا عليها باللامبالاة.

والحق أن الحياة لا تحب الثبات.
كل شيء فيها يتحرك، يتغير، يتبدل، يتساقط، ينمو، أو يرحل بصمت.
حتى الأشخاص الذين نحبهم، يبقون ما داموا يجدون مساحة داخل قلوبنا، فإذا ضاقت تلك المساحة أو انشغلت، انسحبوا تدريجيًا، ثم نكتشف بعد رحيلهم أنهم كانوا الأجمل رغم أننا لم نقل ذلك يومًا.

وهناك أشياء تهجرنا لأنها أدت رسالتها.
صداقة قديمة منحتنا درسًا في الوفاء، لحظة ألم علمتنا الصبر، علاقة عابرة أعطتنا ما يكفي من وعي كي نفهم ماذا نريد وماذا لا نريد.
هذه الأشياء لا ترحل لأنها بلا قيمة، بل ترحل لأنها تركت أثرها واكتفت.

والمؤلم أن بعض الأشياء تختفي دون أن تودعنا.
تستيقظ يومًا فتجد أن المكان نفسه لم يعد يشبه الأمس، وأن الوجوه التي كانت حولك صارت بعيدة، وأن كلمات كثيرة كنت تسمعها لم تعد تقال.
فتدرك فجأة أن الحياة غيّرت جلدها دون استئذان، وأنك مطالب بأن تتأقلم حتى لو لم تكن مستعدًا.

ومع ذلك، فإن الفقد لا يأتي كله شرًا.
فحين يبتعد شيء كنا نظنه ثابتًا، تتسع داخلنا مساحة جديدة لرؤية ما كنا نهمله.
تصبح اللحظات الصغيرة أغلى، والكلمات الصادقة أثمن، والوقت الذي نقضيه مع من نحب أكثر عمقًا.
نتعلم أن نمنح انتباهنا كاملًا قبل أن يفوت الوقت، وأن نعتذر قبل أن يغلق الباب، وأن نحتفظ بما يستحق البقاء بدل أن نتركه ينسحب بصمت.

وفي النهاية، كل ما يهجرنا يترك وراءه رسالة.
رسالة تقول: كان بإمكانك أن تهتم، كان بإمكانك أن تبقى، كان بإمكانك أن ترى النور الذي كان يضيء حياتك ولم تره.
وإذا كنا محظوظين، فإن الحياة تمنحنا أشياء جديدة، لكننا عندها نكون قد تعلمنا أن نحتضنها جيدًا، وأن نقدر وجودها، وأن نمنحها من القلب ما لم نعطه لسابقاتها.

تم نسخ الرابط بنجاح!