من لحظة فارقة إلى سؤال المستقبل.. ماذا يبقى من القادة في ذاكرة الأوطان؟
بقلم الدكتورة غادة محفوظ
خبيرة التنمية الاجتماعية وقضايا الوعي المجتمعي
ليست قيمة الخطابات السياسية فيما تعلنه من مواقف فحسب، وإنما فيما تطرحه من أسئلة حول المستقبل، وما تتركه من دلالات تتجاوز اللحظة الراهنة إلى مسار الدولة ومصير مؤسساتها. ومن هذا المنطلق، فإن تأكيد الرئيس عبد الفتاح السيسي انتهاء مدة رئاسته عام 2030، والتمسك باحترام الدستور، يفتح بابًا مهمًا للتأمل في طبيعة الدولة التي نريدها، وفي معنى القيادة ومسؤوليتها تجاه الأجيال القادمة.
فالدولة القوية ليست تلك التي تتوقف قدرتها على شخص، مهما كانت مكانته أو حجم التحديات التي واجهها، وإنما تلك التي تمتلك مؤسسات قادرة على الاستمرار، ونظامًا دستوريًا يحكم عملها، وكفاءات وطنية مؤهلة لتحمل المسؤولية، وشعبًا يدرك أن حماية المستقبل مسؤولية مشتركة.
من لحظة الخطر إلى مسؤولية التاريخ
لا يمكن قراءة التجربة السياسية المصرية الراهنة بمعزل عن أحداث الثالث من يوليو 2013، وهي المرحلة التي عشتها وشهدت بنفسي ما أحاط بها من قلق وتحديات ومخاوف على استقرار الوطن. كانت مصر تمر بلحظة شديدة التعقيد، تتشابك فيها الخلافات السياسية مع المخاوف المجتمعية، وتتصاعد فيها الأسئلة حول مستقبل الدولة ومؤسساتها.
وفي تلك اللحظة، برز عبد الفتاح السيسي في قلب المشهد، قبل أن يتولى رئاسة الجمهورية ويقود البلاد خلال سنوات حافلة بالتحديات والتحولات. ومن موقعي كمواطنة مصرية تابعت تلك المرحلة عن قرب، أرى أن فهم القرارات السياسية الكبرى يقتضي وضعها في سياقها التاريخي، مع الاحتفاظ بحق الأجيال في تقييم التجارب ونتائجها بموضوعية.
فالتاريخ لا يُكتب بالشعارات وحدها، ولا تُحسم مكانة القادة بمجرد تأييدهم أو معارضتهم، وإنما بما تتركه تجاربهم من آثار في حياة الشعوب، وبقدرتنا على قراءة الوقائع والنتائج، والتمييز بين الإنجاز والتحدي، وبين ما تحقق وما لا يزال ينتظر المعالجة.
2030.. ما بعد المنصب
إن تحديد موعد انتهاء مدة الرئاسة يلفت الانتباه إلى قضية تتجاوز شخص الرئيس، وهي كيفية ضمان استمرارية الدولة في ظل تغير القيادات. فالمنصب، مهما بلغت أهميته، مسؤولية مؤقتة، أما الوطن فباقٍ، ومؤسساته ينبغي أن تظل قادرة على أداء دورها وفق الدستور والقانون.
وهنا يصبح السؤال الأهم: كيف نستثمر السنوات المتبقية حتى عام 2030 في إعداد كوادر وطنية مؤهلة، وتطوير الحياة السياسية، وتعزيز كفاءة المؤسسات، وإتاحة الفرصة أمام الكفاءات لتولي المسؤولية وفق معايير واضحة من النزاهة والخبرة والقدرة على الإنجاز؟
إن بناء المستقبل لا يتحقق بمجرد الحديث عن القيادات القادمة، وإنما بإعدادها علميًا وعمليًا، وترسيخ ثقافة احترام الدستور، وتكافؤ الفرص، وسيادة القانون، وحق المواطنين في الاختيار. فالدولة التي تنجح في إعداد أجيالها تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، وأقل تأثرًا بتغير الأشخاص والمواقع.
وهذه هي القيمة الحقيقية لاستمرارية المؤسسات: ألا تبدأ الدولة من جديد مع كل تغيير، وألا تتوقف خططها ومصالح مواطنيها على بقاء مسؤول في منصبه، بل أن تتواصل مسيرة البناء في إطار من الشرعية والاستقرار والمساءلة.
الجيش المصري.. مؤسسة وطنية في ذاكرة الشعب
يحتل الجيش المصري مكانة خاصة في الوجدان الوطني، ارتبطت بتضحيات أبنائه ودوره في محطات مفصلية من تاريخ البلاد. ومن أحمد عرابي إلى جمال عبد الناصر وأنور السادات، وصولًا إلى عبد الفتاح السيسي، حضرت المؤسسة العسكرية في مراحل متعددة من التاريخ المصري الحديث، وإن اختلفت ظروف كل مرحلة وتجارب قادتها.
وليس استحضار هذه الأسماء دعوة إلى وضع تجاربها في قالب واحد، فالتاريخ أكثر تعقيدًا من الأحكام المطلقة، وإنما هو تذكير بأن المؤسسة العسكرية جزء من تاريخ الدولة المصرية، وأن أبناءها ينتمون إلى مجتمع يحمل تطلعات وآمالًا وتحديات مشتركة.
غير أن قوة الدولة الحديثة لا تُختزل في قوتها العسكرية وحدها؛ فالأمن القومي منظومة متكاملة تشمل اقتصادًا منتجًا، وتعليمًا متطورًا، ومجتمعًا متماسكًا، وإعلامًا مسؤولًا، ومؤسسات تعمل بكفاءة، ومواطنًا يشعر بأن له دورًا حقيقيًا في بناء وطنه.
ومن هنا، فإن حماية الدولة وصون مقدراتها يقتضيان تكامل الأدوار، واحترام اختصاصات المؤسسات، والالتزام بالدستور والقانون، بما يحفظ للوطن استقراره وللمجتمع قدرته على التطور.
معركة الوعي.. حين يصبح الإنسان محور التنمية
من منظور التنمية الاجتماعية، فإن السؤال عن مستقبل الدولة يقودنا بالضرورة إلى السؤال عن مستقبل الإنسان المصري. فالمشروعات والبنية الأساسية والتطوير العمراني عناصر مهمة في بناء الجمهورية الجديدة، لكن نجاحها على المدى الطويل يرتبط بقدرة الإنسان على المشاركة والإنتاج، وبمدى امتلاكه المعرفة والوعي والمسؤولية.
إن إعداد جيل قادر على تحمل المسؤولية يبدأ من المدرسة والجامعة والأسرة، ويمتد إلى المؤسسات الثقافية والإعلامية ومجتمع العمل. وهو إعداد لا يقوم على تلقين الشعارات، وإنما على تنمية التفكير النقدي، واحترام القانون، وفهم التحديات، والتمييز بين المعلومات الصحيحة والشائعات، والقدرة على الحوار والاختلاف دون انقسام أو تخوين.
وهنا ينبغي التأكيد على أن الوطنية ليست صمتًا عن المشكلات، كما أن النقد ليس عداءً للدولة. الوطنية الحقيقية هي أن نحرص على استقرار وطننا، وأن نواجه أوجه القصور بموضوعية، وأن نساند ما يحقق الصالح العام، وأن نطالب بالإصلاح في إطار القانون والمسؤولية.
إن معركة الوعي لا تستهدف تجميل الواقع، بل فهمه وتطويره، ولا تسعى إلى صناعة مواطن يردد ما يسمعه، بل إنسان قادر على التفكير والمشاركة واتخاذ الموقف المسؤول.
ماذا سيبقى في ذاكرة الأجيال؟
سيظل الرئيس عبد الفتاح السيسي جزءًا من سجل التاريخ السياسي المصري، وستتناول الأجيال القادمة سنوات حكمه بما شهدته من مشروعات وتحولات وتحديات وقرارات. وستظل القراءة التاريخية الجادة مطالبة بتقييم هذه التجربة في سياقها، بعيدًا عن الأحكام المطلقة، وبالاستناد إلى الوقائع والنتائج وأثرها في المجتمع والدولة.
لكن ما يتجاوز تقييم أي رئيس هو الدرس الذي ينبغي أن يبقى في الذاكرة الوطنية: أن قيمة القيادة لا تُقاس بطول البقاء في المنصب، وإنما بما تتركه من أثر، وبمدى إسهامها في بناء مؤسسات قوية، وإعداد كوادر جديدة، وترسيخ قواعد تضمن استمرار الدولة بعد تغير الأشخاص.
إن الإعلان عن نهاية مدة الرئاسة عام 2030 ينبغي أن يفتح مساحة أوسع للتفكير في المستقبل، وفي كيفية بناء حياة سياسية أكثر كفاءة، ومؤسسات أكثر قدرة على الإنجاز، ومجتمع أكثر وعيًا بمسؤولياته وحقوقه.
فالأوطان لا يحميها فرد بمفرده، ولا تصنع مستقبلها مؤسسة واحدة، وإنما تتقدم حين تتكامل جهود الدولة والمجتمع، ويصبح احترام الدستور قاعدة مستقرة، وتتحول الكفاءة إلى معيار، ويصبح الإنسان المصري هدف التنمية ووسيلتها في آن واحد.
ستظل مصر أكبر من كل المناصب، وأبقى من كل المراحل، وسيبقى أعظم ما نتركه لأبنائنا وأحفادنا دولة قوية بمؤسساتها، راسخة بدستورها، متماسكة بشعبها، وقادرة على صناعة مستقبلها بإرادة وطنية واعية.
نقدم لكم من خلال موقع (الرأى العام المصرى )، تغطية ورصدًا مستمرًّا على مدار الـ 24 ساعة لـ أسعار الذهب، أسعار اللحوم ، أسعار الدولار ، أسعار اليورو ، أسعار العملات ، أخبار الرياضة ، أخبار مصر، أخبار اقتصاد ، أخبار المحافظات ، أخبار السياسة، ويقوم فريقنا بمتابعة حصرية لجميع الأحداث الهامة و السياسة الخارجية والداخلية بالإضافة للنقل الحصري لـ أخبار الفن والعديد من الأنشطة الثقافية والأدبية.
لمتابعة صفحة الرأى العام المصرى على فيس بوك اضغط هنا
لمتابعة صفحة الرأى العام المصرى نيوز على فيس بوك اضغط هنا
لمتابعة صفحة قناة نيو دريم على فيس بوك اضغط هنا
لمتابعة الرأى العام المصرى على الانستجرام اضغط هنا
لمتابعة الرأى العام المصرى على الواتساب اضغط هنا
لمتابعة الرأى العام المصرى على التليجرام اضغط هنا
لمتابعة الرأى العام المصرى على تويتر اضغط هنا
لمتابعة الرأى العام المصرى على اليوتيوب اضغط هنا
لمتابعة الرأى العام المصرى على التيك توك اضغط هنا
لمتابعة الرأى العام المصرى على كواى اضغط هنا










