مصر وأفريقيا فى عهد الرئيس السيسى.. من استعادة الحضور لتوسيع الشراكة الشاملة
مصر وأفريقيا فى عهد الرئيس السيسى.. من استعادة الحضور لتوسيع الشراكة الشاملة
كتبت/هدي احمد
منذ تولّى السيد الرئيس عبد الفتاح السيسى المسؤولية فى يونيو 2014، بدا واضحًا أن القاهرة قررت إعادة تموضعها الأفريقى على أسس جديدة، لا تقوم فقط على استدعاء التاريخ، بل على تحويل الانتماء الأفريقى إلى مسار عمل سياسى واقتصادى وأمنى وتنموى متكامل.
وفي هذا السياق، لم تعد أفريقيا في الخطاب المصري مجرد «دائرة» من دوائر السياسة الخارجية، بل أصبحت ساحة مركزية للأمن القومي، ومجالًا لتوسيع المصالح، وبناء الشراكات، وتكريس مبدأ “التنمية والتكامل الإقليمي” كعنوان رئيسي للحركة المصرية في القارة.
وإذا كان هذا التحول قد ظهر في الزيارات الرئاسية المكثفة، واستقبال القادة الأفارقة في القاهرة، فقد تجلى بوضوح أكبر في مشاركة الرئيس السيسي في قمم الاتحاد الأفريقي، وقمم الكوميسا، والمنتديات الأفريقية التي استضافتها مصر؛ حيث جرى الربط بين السلم والأمن، وإعادة الإعمار، والبنية التحتية، والتجارة البينية، وتمكين الشباب والمرأة، بوصفها مكونات مترابطة لمقاربة مصرية أوسع تجاه القارة.
هوية أفريقية حاضرة في الخطاب والتحرك
والمتابع لمجريات السياسة الخارجية لمصر، يكتشف أن رؤية الرئيس السيسي تجاه أفريقيا استندت إلى عدة مرتكزات ثابتة، في مقدمتها الاعتزاز بالهوية الأفريقية لمصر، واعتبار القارة جزءًا أصيلًا من الأمن القومي المصري، وتوسيع التواصل السياسي مع مختلف الأقاليم الأفريقية، وتبني شعار “التنمية والتكامل الإقليمي”، والرهان على بناء القدرات والتعاون الفني، باعتبارهما مدخلًا لتثبيت الشراكة لا مجرد تقديم مساعدات عابرة.
كما أكدت هذه الرؤية أهمية مواجهة التحديات المشتركة، مثل الإرهاب، والجريمة المنظمة، والأوبئة وتدهور البيئة؛ وذلك من خلال تنسيق أفريقي أوسع.
ولم تبقَ هذه الرؤية في حدود التنظير؛ فالواقع العملي يشير نفسه إلى أن الرئيس السيسي شارك في أغلب القمم الأفريقية منذ توليه الحكم، ووضع أفريقيا في موقع متقدم على أجندة النشاط الرئاسي؛ حيث قام الرئيس السيسى بعشرات الزيارات إلى دول أفريقية، بما يعكس كثافة الحضور المصرى فى القارة السمراء.
عودة قوية بدأت من قمة مالابو
ومثّلت مشاركة الرئيس السيسي في قمة مالابو 2014، نقطة انطلاق رمزية وسياسية بالغة الأهمية؛ فهي أول مشاركة مصرية رسمية في أنشطة الاتحاد الأفريقي بعد استئناف نشاط مصر داخل الاتحاد عقب ثورة 30 يونيو التي أطاح خلالها الشعب المصري بتنظيم الإخوان الإرهابي، كما حملت رسالة واضحة بأن القاهرة عادت إلى فضائها الأفريقي من بوابة الشرعية السياسية والعمل المؤسسي الأفريقي.
وأتاحت القمة بحث ملفات استراتيجية، في مقدمتها تطورات أزمة سد النهضة، بما يؤكد أن دبلوماسية القمم كانت منذ البداية، أداة مباشرة لإدارة القضايا الحساسة مع الدول الأفريقية.
قمم أفريقيا.. منصة لصياغة الأولويات
وخلال رئاسة مصر للاتحاد الأفريقي في 2019، طرح الرئيس السيسي أجندة متكاملة ربطت بين تطوير البنية التحتية العابرة للحدود، وتسريع إنشاء منطقة التجارة الحرة القارية، وخلق فرص العمل للشباب، ومكافحة الإرهاب، وإعادة الإعمار والتنمية بعد النزاعات، وإطلاق منتدى أسوان للسلام والتنمية المستدامة.
وبهذا المعنى، لم تكن قمم أفريقيا بالنسبة لمصر مجرد ساحة لإعلان المواقف، بل منصة لعرض مشروعات محددة مثل طريق القاهرة–كيب تاون، والربط بين المتوسط وفيكتوريا، ومركز الاتحاد الأفريقي لإعادة الإعمار والتنمية في مرحلة ما بعد النزاعات الذي تستضيفه القاهرة.
وفي منتدى أسوان للسلام والتنمية المستدامة، قدّم الرئيس طرحًا أكثر نضجًا للعلاقة بين الأمن والتنمية، مؤكدًا أن السلام المستدام لا يتحقق إلا ببناء الدولة الوطنية، ومعالجة الأسباب الجذرية للنزاعات، وتفعيل الدبلوماسية الوقائية والوساطة، مع تحويل إعادة الإعمار بعد النزاعات إلى مسار مؤسسي أفريقي.
أما في قمة الكوميسا 2021، ربطت مصر بين التعافي من جائحة كورونا والتكامل الصناعي والتجاري، وأطلقت رؤية “صنع في الكوميسا”، ودعت إلى إزالة العوائق الجمركية، ودعم سلاسل القيمة الإقليمية، والتحول الرقمي، بما يجعل التكامل الاقتصادي الأفريقي أداة عملية للنمو لا شعارًا سياسيًا فقط.
أبرز الجولات التي قام بها الرئيس السيسي إلى الدول الأفريقية
وفي مارس 2015، قام الرئيس السيسي بزيارة السودان وإثيوبيا، في محطة مبكرة عكست رغبة القاهرة في فتح صفحة جديدة من الثقة والتعاون، خصوصًا في ملفات حوض النيل والتنمية والتنسيق السياسي، وانتهت الزيارة بتوقيع إعلان المبادئ الخاص بسد النهضة في الخرطوم.
وفي أغسطس 2017 جاءت الجولة الأفريقية إلى تنزانيا ورواندا والجابون وتشاد، لتؤكد اتساع خريطة التحرك المصري في شرق ووسط وغرب افريقيا، وجرى خلالها التركيز على التجارة والاستثمار، والمزارع المشتركة، والأدوية، والثروة الحيوانية، والتعاون الأمني والعسكري، ومكافحة الفساد، ودعم دول حوض النيل بالخبرات الفنية المصرية.
وفي نوفمبر 2020 شهدت العلاقات المصرية-الأفريقية محطة لافتة مع الزيارة التاريخية الأولى لرئيس مصري إلى جوبا، بما عكس خصوصية العلاقة مع جنوب السودان وأهمية دوائر القرن الأفريقي وحوض النيل في التحرك المصري.
وفي يونيو 2023 بدأ الرئيس جولة شملت أنجولا وزامبيا وموزمبيق، في سياق حرص مصر على تكثيف التنسيق مع دول الجنوب الأفريقي، ودعم التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري، والمشاركة في قمة الكوميسا بلوساكا، بما يربط بين الدبلوماسية الثنائية والتحرك داخل التكتلات الاقتصادية القارية.
القاهرة محطة أفريقية دائمة
وبالتوازي مع الجولات الخارجية، استقبلت القاهرة عددًا كبيرًا من القادة والمسؤولين الأفارقة؛ حيث كانت مقصداً لعشرات من القادة والمسؤولين الأفارقة، سواء في زيارات ثنائية أو على هامش المنتديات والقمم التي استضافتها مصر.
ومن أبرز الأمثلة استقبال الرئيس الكيني أوهورو كينياتا في القاهرة عام 2020، واستقبال رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي عام 2021، واستقبال رئيس جيبوتي إسماعيل عمر جيله عام 2022، واستقبال الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود عام 2024، كما استقبلت مصر خلال منتدى أسوان للسلام والتنمية المستدامة رؤساء أفارقة، من بينهم رئيس تشاد والرئيس السنغالي.
تعاون سياسي وأمني وتنموي متعدد المستويات
واتسعت مجالات التعاون المصري-الأفريقي في عهد الرئيس السيسي، لتشمل التنسيق السياسي في المحافل الدولية، ودعم السلم والأمن، ومكافحة الإرهاب، والتدريب الشرطي والقضائي، وبناء القدرات الدبلوماسية والإعلامية، والتبادل التجاري، والاستثمارات، والزراعة، والصحة، والري، والكهرباء، والبنية التحتية، ومكافحة الفساد.
كما لعبت المؤسسات الدينية والثقافية المصرية، وفي مقدمتها الأزهر الشريف، دورًا كبيرًا في نشر خطاب الاعتدال والتواصل المعرفي مع المجتمعات الأفريقية.
وفي الإطار الاقتصادي، ربطت مصر بين التعاون الثنائي وبين العمل داخل التكتلات الإقليمية، خاصة الكوميسا ومنطقة التجارة الحرة القارية، وركزت على سلاسل القيمة، والتصنيع الإقليمي، والربط اللوجستي، وتخفيف العوائق أمام التجارة البينية، بما يجعل التعاون مع أفريقيا قائمًا على المصالح المتبادلة لا على الصيغة التقليدية للمساعدات فقط.
الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية ذراع تنموي رئيسي في القارة السمراء
وأطلقت مصر الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية في قمة مالابو عام 2014، عبر دمج الصندوق المصري للتعاون الفني مع أفريقيا مع صندوق التعاون الفني مع دول الكومنولث، لتصبح الذراع التنموية الرئيسية للدولة المصرية في إطار تعاون جنوب-جنوب، ونقل الخبرة، وبناء القدرات، والاستجابة للاحتياجات العاجلة للدول الأفريقية.
وتوضح الإحصاءات أن حجم هذا التحرك، تمثل في تنظيم 700 دورة تدريبية، حضرها أكثر من 18 ألف متدرب، وإيفاد أكثر من 120 خبيرًا إلى أفريقيا والدول الإسلامية، وإرسال 20 قافلة طبية، و195 حاوية مساعدات لوجستية وإنسانية وطبية إلى أفريقيا، إلى جانب وجود عشرات الطلاب الدارسين في الجامعات المصرية على نفقة الوكالة.
مشروعات على الأرض.. من الطاقة إلى المياه والصحة
وضمن “المبادرة المصرية للتنمية في دول حوض النيل”، أشرفت مصر على عدد من المشروعات التنموية المباشرة في القارة السمراء، من بينها إنشاء محطة كهرباء بالطاقة الشمسية في أوغندا، وإنشاء مركز للتنبؤات المناخية في جمهورية الكونغو الديمقراطية، والمساهمة في إنشاء مركز مجدي يعقوب لعلاج أمراض القلب في رواندا، وإصلاح محطات كهرباء في بوروندي، وإنشاء عيادات أسنان ورمد في إريتريا، ومحطات كهرباء ووحدات غسيل كلوي في جنوب السودان، وحفر آبار وبناء خزانات لمياه الأمطار في تنزانيا وأوغندا وجنوب السودان، إلى جانب برامج تدريبية للمزارعين في كينيا والسودان.
واعتمد التعاون المصري على شراكات ثلاثية مع مؤسسات دولية وإقليمية، بينها “الجايكا” اليابانية، ومنظمة الأغذية والزراعة “الفاو”، وبرنامج الغذاء العالمي، وبنوك تنموية أفريقية وإسلامية، بما سمح بتوسيع أثر البرامج المصرية وتوجيهها إلى قطاعات الأمن الغذائي، والتنمية الزراعية، والري، ومواجهة آثار تغير المناخ.
مصر من استعادة الدور إلى تثبيت الحضور
وتكشف الحصيلة العامة عن أن التحرك المصري تجاه أفريقيا في عهد الرئيس السيسي جمع بين ثلاثة مسارات متوازية، أولها استعادة الحضور السياسي في الاتحاد الإفريقي والمحافل القارية، وثانيها توسيع العلاقات الثنائية عبر الزيارات المتبادلة، وثالثها نقل العلاقة إلى مستوى الشراكة العملية من خلال التدريب والمشروعات والبنية التحتية والتجارة.
ويؤكد التحرك المصري تجاه أفريقيا في عهد الرئيس السيسي، أن القاهرة لم تعد تتحدث عن أفريقيا فقط باعتبارها “عمقًا استراتيجيًا”، بل نظرت لها باعتبارها ساحة عمل يومي، وملفًا حاضرًا في القمم، والزيارات، والمبادرات والمشروعات.
وخلال سنوات حكم الرئيس السيسي، أعادت مصر نسج خيوط علاقتها بإفريقيا على نحو أكثر كثافة وواقعية، فمن قمة مالابو إلى رئاسة الاتحاد الإفريقي، ومن منتدى أسوان إلى الكوميسا، ومن الخرطوم وأديس أبابا إلى دار السلام وكيجالي ولوساكا، بدا واضحًا أن التحرك المصري لم يكن موسميًا ولا رمزيًا، بل سعى إلى تأسيس حضور ممتد يقوم على الشراكة والتنمية والمصالح المتبادلة.
وفي ظل ما تشهده القارة من تحولات كبرى، يبدو أن رؤية القاهرة الأساسية لم تعد فقط “العودة إلى إفريقيا”، بل “ترسيخ مكانة مصر كفاعل إفريقي دائم” داخل معادلات السياسة والاقتصاد والتنمية في القارة.
نقدم لكم من خلال موقع (الرأى العام المصرى )، تغطية ورصدًا مستمرًّا على مدار الـ 24 ساعة لـ أسعار الذهب، أسعار اللحوم ، أسعار الدولار ، أسعار اليورو ، أسعار العملات ، أخبار الرياضة ، أخبار مصر، أخبار اقتصاد ، أخبار المحافظات ، أخبار السياسة، ويقوم فريقنا بمتابعة حصرية لجميع الأحداث الهامة و السياسة الخارجية والداخلية بالإضافة للنقل الحصري لـ أخبار الفن والعديد من الأنشطة الثقافية والأدبية.
لمتابعة صفحة الرأى العام المصرى على فيس بوك اضغط هنا
لمتابعة صفحة الرأى العام المصرى نيوز على فيس بوك اضغط هنا
لمتابعة صفحة قناة نيو دريم على فيس بوك اضغط هنا
لمتابعة الرأى العام المصرى على الانستجرام اضغط هنا
لمتابعة الرأى العام المصرى على الواتساب اضغط هنا
لمتابعة الرأى العام المصرى على التليجرام اضغط هنا
لمتابعة الرأى العام المصرى على تويتر اضغط هنا











