لماذا يتزايد عدد الجمهوريين الذين يخالفون ترامب بشأن إيران؟
كتبت/هدي احمد
تزايدت مظاهر الانقسام بين الجمهوريين والرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن ملف إيران، إذ أدت الحرب -المستمرة منذ نحو سبعة أشهر- إلى ارتفاع أسعار الوقود، واختبار مدى الدعم الشعبي بين ناخبي الحزب الجمهوري، وإثارة المخاوف بشأن غياب استراتيجية واضحة للخروج قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر 2026.
ووفقا لتقرير نيويورك تايمز، رغم أن الجمهوريين المعارضين للحرب لا يزالون يمثلون أقلية داخل الحزب، إلا أن عدداً من المرشحين الجمهوريين في سباقات انتخابية محتدمة باتوا يطالبون علناً بإنهاء الصراع.
وفي الكونجرس، أيد المزيد من الجمهوريين جهوداً للحد من صلاحيات الرئيس دونالد ترامب الحربية، في حين تظهر استطلاعات الرأي الأخيرة تراجعاً ملموساً (بنسبة تتجاوز 10 نقاط مئوية) في تأييد الجمهوريين للحرب.
يأتي هذا التحول في المواقف عقب استئناف الأعمال العدائية إثر تعثر المفاوضات الصيفية بين واشنطن وطهران.
كان ترامب قد هدد مؤخراً بتصعيد عسكري حاد، ملمحاً في الوقت نفسه إلى إمكانية انتهاء الصراع بعد انتخابات التجديد النصفي، ومشيراً إلى أنه عقد اجتماعاً “جيداً للغاية” مع وسطاء يمثلون الجانب الإيراني.
ارتفاع الأسعار يضع الجمهوريين تحت الضغط
تُعد المخاوف الاقتصادية عاملاً جوهرياً في حالة القلق المتزايدة بين الجمهوريين.
فقد أظهر تقرير صادر عن مكتب الميزانية في الكونغرس أن الاضطرابات في حركة الشحن عبر مضيق هرمز ساهمت في ارتفاع تكاليف الطاقة في الولايات المتحدة، وأضافت 2.3 نقطة مئوية إلى معدل التضخم السنوي البالغ 5.3% خلال الربع الثاني من عام 2026.
ووفقاً لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية التي أوردتها مجلة “تايم”، ارتفع سعر البنزين العادي بنحو 52% منذ اندلاع الحرب ليصل إلى حوالي 4.48 دولار للجالون، بينما ارتفعت أسعار الديزل بنسبة 71%.
وتكتسب هذه الزيادات أهمية سياسية؛ إذ وجد استطلاع للرأي أجرته وكالة “رويترز” ومؤسسة “إبسوس” في أغسطس أن 47% من الناخبين يعتبرون تكلفة المعيشة العامل الأهم على الإطلاق عند تحديد خياراتهم التصويتية في نوفمبر.
كما أظهر الاستطلاع أن نحو ربع الأمريكيين فقط يرون أن الحرب مع إيران تستحق العناء.
ورغم أن تأييد الجمهوريين للحرب لا يزال أعلى مقارنة بالديمقراطيين والمستقلين، إلا أنه شهد تراجعاً؛ فقد كشف استطلاع أجرته مؤسسة “يوغوف” (YouGov) في الفترة من 18 إلى 21 سبتمبر أن 53% من الجمهوريين يعتقدون -عند النظر إلى الأمور بأثر رجعي- أن خوض الحرب كان قراراً صائباً، وهي نسبة انخفضت عن 68% المسجلة في أبريل.
وفي سياق متصل، أظهر استطلاع أجرته شبكة “سي إن إن” ومؤسسة “إس إس آر إس” (SSRS) تراجع تأييد الجمهوريين للحرب من 73% في مارس إلى 60% في يومي 16 و17 سبتمبر، في حين عارض الحرب 53% من الجمهوريين الذين تقل أعمارهم عن 45 عاماً. مرشحو الحزب الجمهوري ينأون بأنفسهم عن ترامب
تساعد الضغوط الاقتصادية في تفسير سبب انضمام مرشحين جمهوريين يخوضون سباقات انتخابية محتدمة لمقاعد مجلس الشيوخ إلى قائمة المعارضين لموقف ترامب بشأن إيران.
فقد صرحت النائبة آشلي هينسون، المرشحة الجمهورية لمجلس الشيوخ عن ولاية أيوا، بأن سكان الولاية لا ينبغي أن يتحملوا تكاليف أعلى “عند محطات الوقود أو صناديق الدفع في المتاجر” بسبب الحرب، ودعت إلى إنهاء الصراع “بشكل فوري وناجح”.
وبالمثل، دعا مايك روجرز، المرشح لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان والنائب السابق، إلى إنهاء الحرب “بسرعة”، رابطاً بين الصراع وارتفاع أسعار البنزين والسلع الغذائية وتكاليف المعيشة اليومية.
كما قال جون هاستد، السيناتور عن ولاية أوهايو والذي يواجه أيضاً سباقاً انتخابياً تنافسياً، إن الحرب يجب أن تنتهي “في أسرع وقت ممكن حتى نتمكن من خفض أسعار الوقود”.
وكان ترامب قد وصف سابقاً ارتفاع أسعار البنزين بأنه تكلفة بسيطة نسبياً للصراع. غير أنه صرح مؤخراً بأن إدارته تدرس تقييد صادرات الديزل الأمريكية كجزء من الجهود الرامية إلى تخفيف أسعار الوقود.
تزايد المخاوف بشأن حرب مفتوحة النهاية
لا تمثل الضغوط الاقتصادية سوى جزء من النقاش الدائر داخل الحزب الجمهوري.
إذ يبدي بعض المشرعين والناخبين الجمهوريين تساؤلات حول كيفية انتهاء الحرب، مما يعكس مشاعر راسخة مناهضة للتدخل العسكري لدى قطاعات من التحالف الجمهوري، فضلاً عن ذكريات الانخراط الأمريكي الطويل في حربي العراق وأفغانستان.
وفي حديث لمجلة “تايم”، قال الخبير الاستراتيجي الجمهوري دوغ هاي إن الجمع بين ارتفاع الأسعار وعدم وضوح الجدول الزمني للصراع قد تحول إلى مشكلة سياسية كبيرة.
وأضاف قائلاً: “يبدو أنه لا توجد نهاية تلوح في الأفق؛ فالأمر لم يعد مجرد حدث عابر”.
وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة نظراً لأن حملة ترامب الانتخابية قامت على أجندة “أمريكا أولاً” ووعود بتجنب خوض حروب خارجية جديدة.
كما دعا النائب جون جيمس، المرشح الجمهوري لمنصب حاكم ولاية ميشيغان، إلى إنهاء الصراع بسرعة.
جمهوريون ينضمون لجهود تقييد صلاحيات ترامب الحربية
لقد امتد هذا الانقسام إلى أروقة الكونجرس. فقد أيد مؤخراً النائبان الجمهوريان زاك نان وماريانيت ميلر-ميكس، وكلاهما يمثل ولاية أيوا، قراراً يحد من قدرة ترامب على مواصلة العمليات العسكرية ضد إيران دون الحصول على تفويض من الكونغرس.
وقال نان، وهو محارب قديم شارك في عمليات قتالية ضمن القوات الجوية، إن العمليات العسكرية المستمرة تتطلب موافقة الكونجرس.
وأكد قائلاً: “لن أدعم حرباً أخرى مفتوحة النهاية”.
وبالمثل، رأت ميلر-ميكس -التي خدمت لأكثر من عقدين في الجيش- أن الأمريكيين “لا يريدون حرباً أبدية أخرى”، مشيرة في الوقت ذاته إلى ارتفاع أسعار البنزين.
كما أيد هذا الإجراء كل من الجمهوريين توماس ماسي، وبرايان فيتزباتريك، ووارن ديفيدسون، وتوم باريت، ونانسي ميس. ويُعد هذا التصويت الثالث في مجلس النواب الذي يهدف إلى تقييد صلاحيات ترامب المتعلقة بشن حرب على إيران.
استطلاعات الرأي تظهر قلقاً بشأن أمد الحرب
يمتد القلق العام إلى ما هو أبعد من التكاليف الاقتصادية المباشرة. أظهر استطلاع للرأي أجرته شبكة “فوكس نيوز” في الفترة من 11 إلى 14 سبتمبر أن 71% من الناخبين يعتقدون أن ترامب يفتقر إلى استراتيجية واضحة لإنهاء الحرب مع إيران؛ وهي وجهة نظر شاركهم فيها 43% من الجمهوريين.
وفي الوقت نفسه، توقع 52% من الأمريكيين الذين شملهم استطلاع أجرته مؤسسة “يوغوف” (YouGov) بين 18 و21 سبتمبر استمرار الصراع لمدة عام آخر على الأقل.
وتزايدت باطراد التوقعات بأن تكون الحرب طويلة الأمد؛ إذ اعتقد 32% في شهر مارس أنها ستستمر لعام آخر على الأقل، وارتفعت هذه النسبة إلى 46% في يوليو، ثم 50% في أغسطس، و52% في سبتمبر.
مع ذلك، فإن 28% فقط من الجمهوريين يتوقعون حالياً استمرار الصراع لتلك الفترة الطويلة.
الحرب مع إيران تبرز كقضية في انتخابات التجديد النصفي
إن تزايد أعداد الجمهوريين الذين يختلفون مع ترامب بشأن إيران لا يرقى إلى مستوى تمرد واسع النطاق داخل الحزب الجمهوري؛ إذ لا يزال معظم المشرعين الجمهوريين يدعمون الرئيس، كما يظل الناخبون الجمهوريون أكثر تأييداً للصراع مقارنة بالمجموعات السياسية الرئيسية الأخرى.
لكن المناخ السياسي تغير مع استمرار الحرب.
بالنسبة للجمهوريين الذين يواجهون الناخبين في نوفمبر، تتقاطع الحرب مع إيران بشكل متزايد مع قضيتين لهما تداعيات انتخابية فورية: تكلفة المعيشة والمخاوف بشأن التزام عسكري أمريكي طويل الأمد آخر.
وبالتالي، فإن الانقسام الناشئ يعكس ما هو أكثر من مجرد خلاف حول السياسة الخارجية؛ فهو يسلط الضوء على التوتر بين نهج ترامب تجاه إيران، وبين العناصر المعارضة للتدخل العسكري داخل تحالفه السياسي، وبين المرشحين الذين يواجهون ناخبين قلقين بشأن أسعار الوقود والسلع الغذائية والتضخم وعدم وضوح نهاية الصراع.
وسيعتمد اتساع نطاق هذا الخلاف جزئياً على التطورات داخل إيران، والمفاوضات الدبلوماسية، والأعباء الاقتصادية التي يواجهها الأمريكيون مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.










