عالم بحري هائل تحت الجليد.. ملايين أعشاش أسماك الجليد في القارة القطبية
كتبت / هينار ثروت
تواصل القارة القطبية الجنوبية جذب اهتمام العلماء بما تخفيه من أسرار في مناطق يصعب الوصول إليها، إذ كشفت دراسات بحرية عن نظام بيئي ضخم يعيش في أعماق المياه أسفل الجليد، ويضم عشرات الملايين من أعشاش أسماك الجليد، في مشهد وصفه الباحثون بأنه واحد من أكبر تجمعات التكاثر المعروفة في العالم.
وتشير التقديرات إلى وجود نحو 60 مليون عش لأسماك الجليد من نوع «جوناه» في منطقة بحر ويديل بالقارة القطبية الجنوبية، على مساحة تقدر بنحو 240 كيلومترًا مربعًا. واكتُشف هذا التجمع خلال مهمة بحثية بحرية استخدم خلالها العلماء أنظمة تصوير تحت الماء لرصد قاع البحر في المناطق المغطاة بالجليد.
ملايين الأعشاش في ظلام الجليد
تقع منطقة التكاثر على عمق مئات الأمتار أسفل سطح المياه، في بيئة شديدة البرودة وبعيدة عن ضوء الشمس. وأظهرت الصور التي التقطتها معدات الاستكشاف وجود أعداد هائلة من الأعشاش الدائرية المنتشرة على قاع البحر، حيث بدا بعضها متقاربًا بصورة لافتة، ما كشف عن حجم المستعمرة البحرية التي لم تكن معروفة بهذا الاتساع من قبل.
وتبني أسماك الجليد أعشاشها في قاع البحر، ويضع كل عش عددًا كبيرًا من البيض، بينما تبقى الأسماك البالغة بالقرب من الأعشاش لحمايتها. وتشير التقديرات إلى أن بعض الأعشاش يحتوي على ما يقرب من 1500 إلى 2000 بيضة، وهو ما يعني أن المنطقة يمكن أن تضم عددًا هائلًا من البيوض داخل هذه المستعمرة.
ويتميز هذا النوع من الأسماك بقدرته على التكيف مع المياه شديدة البرودة في المحيط الجنوبي، وهي ظروف قاسية تجعل الحياة البحرية هناك مختلفة بصورة كبيرة عن البيئات المعتادة. وتساعد الخصائص الفسيولوجية لهذه الأسماك على التعامل مع درجات الحرارة المنخفضة للغاية، ما يجعلها نموذجًا مهمًا لدراسة قدرة الكائنات البحرية على التكيف.
اكتشاف غير مسبوق
تكمن أهمية هذه المنطقة في ضخامة تجمعها، إذ تغطي المستعمرة مساحة تقارب 240 كيلومترًا مربعًا، مع كثافة مرتفعة من الأعشاش في أجزاء واسعة منها. ووفق البيانات العلمية، بلغ متوسط وجود عش واحد تقريبًا لكل 3 أمتار مربعة في المنطقة التي جرى مسحها، بينما وصلت الكثافة في بعض النقاط إلى عش أو أكثر لكل متر مربع.
ولم يكن العلماء يتوقعون العثور على منطقة تكاثر بهذا الحجم في بيئة تقع أسفل الجليد، وهو ما أعاد طرح أسئلة عديدة حول طبيعة الحياة في المناطق القطبية، ومدى اعتماد الكائنات البحرية على الظروف البيئية المحيطة بها.
أهمية المنطقة للنظام البيئي
لا تقتصر أهمية الاكتشاف على عدد الأعشاش فقط، إذ تمثل هذه المستعمرة جزءًا من شبكة غذائية متكاملة في المحيط الجنوبي. كما ترتبط بها كائنات بحرية أخرى تعتمد على الأسماك أو البيوض أو الكائنات الموجودة في قاع البحر، بما يجعل الحفاظ على هذه البيئة أمرًا مهمًا لفهم التوازن البيئي في المنطقة.
ويرى الباحثون أن دراسة هذه المواقع يمكن أن تساعد في معرفة كيفية تكيف الكائنات الحية مع البيئات شديدة البرودة والمظلمة، كما قد تقدم معلومات مهمة حول النظم البيئية الموجودة في المحيطات القطبية.
القارة القطبية لا تزال تخفي الكثير
ويؤكد هذا الاكتشاف أن أجزاء واسعة من القارة القطبية الجنوبية ومياهها المحيطة لا تزال غير مستكشفة بالشكل الكافي، رغم التطور الكبير في تقنيات التصوير والاستكشاف البحري.
كما تفتح مثل هذه الاكتشافات الباب أمام دراسات أوسع حول الحياة في البيئات القاسية، خاصة أن وجود أنظمة بيئية نشطة في مناطق مغطاة بالجليد يطرح تساؤلات علمية حول قدرة الحياة على الاستمرار في ظروف بعيدة عن البيئات المعتادة.
ومع استمرار البعثات العلمية والاستكشافات البحرية، يتوقع الباحثون ظهور مزيد من التفاصيل حول هذه المستعمرات البحرية، وطبيعة العلاقة بين أسماك الجليد والأنواع الأخرى، ودور هذه التجمعات الضخمة في الحفاظ على التنوع البيولوجي في المحيط الجنوبي.











