⚡ عاجل
محافظات

الباحثة الأثرية إنجي فايد: الإسكندرية التي في خاطري

تساءلت الباحثة الأثرية ومستشار التنميه الثقافية بوزارة الثقافة : هل سيأتي الإسكندر ليخطط من جديد مدينة كالإسكندرية؟هل سيأتي الزمان بمهندس ليعيد تشييد معمار يختلف عن تراثنا يذهل العقول ويحاكي الفن والإبداع؟ تمني وإن كان حلما ..سيتحقق.

قال عز وجل في سورة العنكبوت آية ٢٠: “قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق”،لقد تطور العالم تطوراً مذهلاً وحقق قفزة غير مسبوقة، في علم التكنولوجيا والمعلومات، ولا يزال العمل مستمراً، وكنت أتمني أن يكون هذا التطور في خدمة الإنسانية والعقل البشري الذي خلقه الله لنستشعر من خلاله الفن والجمال، ولكني أرى أن هذا التقدم أصبح يُستخدم على مجال واسع في القضاء على روح الإبداع وقتل المهارات والحرف.. فقد أصبحت منصات الذكاء الاصطناعي مثل ( Gemini و ChatGPT و Claude ومعظم وبرامج الـ AI الاخري) بديلاً عن الطبيب والمهندس والفنان والمعلم والباحث، وللأسف البعض عندما يستعشر ألما سرعان ما يلجأ إلى تلك المنصات ويطلب منها النصيحة الطبية بل والعلاج أيضا “الروشتة”، ونزيد الطين بلة عندما نشكك في نصائح الطبيب ووصفاته العلاجية!!. وهذا المنوال يسري تقريبا في مختلف المجالات.

لعلنا نلحظ أن من مساوئ تلك المنصات أنها تقتل العقل البشري، فلم يعد يفكر، أو يبدع ويرسم، أو يغني ويكتب .. لقد استخدمنا التكنولوجيا بطريقة جعلت منا شعوباً قزمت دورها واصبحت مستنسخة، والأسوأ إنها أيضا ممسوخة. أصبحنا بشرا بلا روح، وهيمنت الآلات والمنصات على ذاتنا.

الباحثة الأثرية إنجي فايد: الإسكندرية التي في خاطري
الباحثة الأثرية إنجي فايد: الإسكندرية التي في خاطري

لقد استخدمنا التكنولوجيا بشكل خاطيء، فأصبحنا مسيرين لا مخيرين، لقد اقتنع أغلبيتنا بأن الـ AI هو “ربكم الأعلى”، لقد أصبح الأطفال وأولياء الأمور يلجأون إلى تلك المنصات لحل الواجب سريعا ، أصبح ذوق الـ AI هو السائد؟.

ليس هذا فسحب، لقد أصبحت أيضا رسائل الماجستير والدكتوراه تستقي مصادرها من مواقع البحث مثل Google وغيرها.

لقد تحول الموبايل وبرامج الـ AI إلى الرفيق والمعلم والطبيب، ليبلغ الخطر مداه بأن استوحد أطفالنا وشبابنا مع تلك المنصات فأصبحت هي الملاذ يستقون منه العلم ونسوا من يغذيه ومن أصدره!

لقد أصبح كل شيء قصير ، ممل، لا أفق معماري، لا ذوق فني ولا حس حضاري.

حقا مات الإسكندر، ومات فان جوخ، ومات زوسر وإيمحوتب، ومات وني وحكماء مصر القديمة الذين سطروا كتاب الموتي ونقلوا العلم وعلموا الطب والشعر والأدب والعلوم.

بيد أنه وبالتضاد مع كل ما سبق، ورغم سلبيات استخدامات هذه البرامج، إلا أن هناك جانبا مضيئا لا يمكن تجاهله، وهو أنه لهذه المنصات فوائد، منها تخزين المعلومات مهما كانت ضخمة وسرعة فائقة في استرجاعها بما يفيد الباحث. وثمة مثال لما أقوله كفائدة، فقد استخدمت الـ AI لرسم صورة لمدينة الاسكندرية بثوب جديد في ٢٠٢٦ في محاولة لاستخدامه بشكل إيجابي، وكانت النتيجة مذهلة، عندما نجحت المنصة التي استخدمتها في إعادة رسم المدينة والحفاظ على تراثها وعراقتها، بعكس ما تبدو عليه في الوقت الراهن.

الإسكندرية.. تلك المدينة الجميلة التي أسسها الإسكندر، وعرف موانيها المصري القديم كطريق للتبادل التجاري لدول البحر المتوسط .. تحتضر ياسادة، ليس فحسب من إهمال جسيم للمدينة التي تعد موقعا أثريا مفتوحا ومتكاملا من مباني وشوارع وآثار، بل مدينة لن يجود الزمان بها مرة أخرى.

إن العين لتدمع عندما ترى الإسكندرية حاليا، مدينة تم تدميرها وتشويهها بشكل قمئ ومتردي وسوقي قبيح. البحر تحول لممر من العشوائيات، اختفت مبانيها العريقة وحدائقها الشهيرة، وغاب عنها التنسيق الحضاري، وتم شل الذوق العام، لتكون المحصلة غياب الوعي عن الحفاظ على الإسكندرية التي اعتبرها أعظم مدينة أثرية في العالم بلا منافس. لما تتمتع به من موقع أثري متكامل الجوانب، وهي درة المدن وقصة القصص ..فحينما دخل اليونان وكان حكم البطالمة، كانت الإسكندرية هي المقر الإداري والثقافي والتعليمي للحكم. وحينما جاء الرومان اعتبروا المدينة ولاية تكميلية وليست ضمنا. وحينما كان الحكم الملكي على مصر، تم احتضان الشعراء والفلاسفة وكانت مقرا للطبقة المثقفة، فهي مدينة Cosmopolitan منذ نشأتها، عاشت فيها الجاليات اليونانية والرومانية والإيطالية، بجانب المواطن المسلم والمسيحي واليهودي.

إنها الإسكندرية.. التي تصدّرت كنيستها الدور القيادي في المجامع الكنسية والقرارات الدينية في العصر البيزنطي..إنها حق الإسكندرية، التي اهتم بها ولاة مصر في العصر الإسلامي باعتبارها أهم ثغور البحر المتوسط. هي الإسكندرية التي عاش فيها أريستارخوس وكشف فيها عن دوران الأرض حول الشمس، وارثوشيسس الذي قاس بها محيط الكرة الأرضية، وكتب فيها إقليدس كتاب المبادئ في علم الهندسة، وانبثقت منها مدرسة الطب السكندرية في مجال الجراحة والتشريح، وكانت مقر تحرير البلاد من الاحتلالين الفرنسي والإنجليزي. إنها الإسكندرية.. قبلة العلم وتاريخ النهضة.

ولعلنا جميعاً نعرف أن الرئيس عبد الفتاح السيسي يهوى قراءة التاريخ ويقدر الآثار والتراث، ولعلى هنا أتمنى أن يسلط الرئيس الضوء مرة أخرى على تلك المدينة ويحميها من هذا التجريف العنيف ومحو معالمها التراثية، كما نتمنى في عهده أن تدخل المدينة بأكملها في قائمة التراث العالمي وانتشالها من العبث المعماري الحالي.

انها ماريا .. ترابها زعفران كما كتب عنها أحمد فؤاد نجم

وشعر فيها بيرم التونسي

يا مسلمين لما اسكندر حكم على الدنيا و دبر

شاف المداين و اتخير اسكندرية و سماها

يوناني و يحب الغارة و رخره زيه ام منارة

جبار و عاشق جباره طلع هواه وفق

وصالح جودت قال عنها

إسكـندريةُ فـيكِ الرِيُّ والظـــــــــــــمأُ

بأيّ قصّةِ حـبٍّ فـــــــــــــــــيكِ أبتدئُ؟

ستظلي الاسكندريه تاريخ وحضاره وبحرك عشق وآثاره

تم نسخ رابط الخبر