العدد الورقىمقالات
أخر الأخبار
التعليم الثانوي في مصر .. عندما يصبح مستقبل الطالب ضحية للتجارب المتكررة
التعليم ليس ملفا دعائيا ولا ساحة لتجربة الأفكار غير المدروسة، بل هو حق أساسي ومستقبل وطن بأكمله
كتب: أحمد سعيد صقر
ليس هناك ملف يكشف حجم الفجوة بين صانع القرار والمواطن أكثر من ملف التعليم الثانوي في مصر.
فبينما تتحدث الحكومة عن التطوير والتحديث والثورة الرقمية، يعيش ملايين الطلاب وأسرهم حالة من القلق المستمر بسبب القرارات المتلاحقة والتغييرات المتكررة التي أصبحت السمة الأبرز للمنظومة التعليمية؛ حيث تحول التخطيط التعليمي إلى سلسلة من ردود الأفعال والمبادرات المبتورة التي تفتقر إلى رؤية استراتيجية واضحة ومستدامة، مما أفقد المجتمع ثقته في جدوى هذه التحولات.
لقد تحول الطالب المصري إلى حقل تجارب مفتوح فكل عام يأتي بنظام جديد، أو تعديل جديد، أو وعود جديدة بأن المشكلات القديمة ستختفي، لكن النتيجة على أرض الواقع تبدو مختلفة تماما، فالارتباك يسيطر على الطلاب وأولياء الأمور يواجهون أعباء مالية متزايدة، بينما لا تزال الدروس الخصوصية تفرض نفسها باعتبارها النظام التعليمي الموازي الذي فشلت الحكومات
المتعاقبة في القضاء عليه، بل إنها توغلت بشكل أعمق مستغلة حالة عدم اليقين والتشتت التي يعاني منها الطلاب في ظل النظم الامتحانية المستحدثة.
المشكلة الحقيقية ليست في الرغبة في الإصلاح فالجميع يتفق على أن التعليم المصري يحتاج إلى تطوير جذري. المشكلة تكمن في غياب الاستقرار والوضوح والمشاركة المجتمعية.
فالقرارات المصيرية المتعلقة بمستقبل ملايين الطلاب غالبًا ما تعلن من أعلى إلى أسفل دون حوار حقيقي مع المعلمين أو أولياء الأمور أو الخبراء المستقلين، مما يحول هذه القرارات إلى إملاءات فوقية تفقد حاضنتها الشعبية والتنفيذية قبل أن تبدأ، وتصطدم بواقع مغاير تماما للتصورات النظرية القابعة في الغرف المغلقة، والأخطر من ذلك أن الحديث المستمر عن التكنولوجيا والتحديث لم ينجح في معالجة المشكلات الأساسية داخل المدارس.
فما زالت كثافة الفصول مرتفعة في كثير من المناطق إلى مستويات تعوق أي عملية استيعاب أو تفاعل حقيقي، وما زال المعلم يعاني من تحديات مهنية واقتصادية كبيرة تمنحه شعورًا بالتهميش وتقلل من دافعيته للعطاء داخل الفصل المدرسي، ومازالت الفجوة واسعة بين ما يدرسه الطالب وما يحتاجه في الجامعة وسوق العمل الذي بات يتطلب مهارات نوعية لا توفرها المناهج القائمة على الحفظ أو حتى التقييمات القائمة على الاختيار من متعدد.
إن التعليم لا يُقاس بعدد الأجهزة الإلكترونية أو المنصات الرقمية، بل بقدرته على بناء إنسان قادر على التفكير والإبداع والمنافسة، وعندما يصبح الهدف الأساسي للطالب هو مجرد اجتياز نظام امتحاني متغير باستمرار، فإن جوهر العملية
التعليمية يكون قد تعرض للخطر، ويتحول التحصيل العلمي من شغف بالمعرفة إلى آلية للمناورة والالتفاف حول نمط الأسئلة السنوي لضمان مجموع الدرجات فقط.
إن مستقبل مصر لا يُبنى بالمشروعات الخرسانية وحدها، بل يُبنى داخل الفصول الدراسية، وإذا استمرت حالة عدم الاستقرار في السياسات التعليمية فإن الثمن سيدفعه جيل كامل يجد نفسه أمام نظام يتغير باستمرار بينما تبقى مشكلاته الأساسية دون حل وهو ما يهدد بتصدير أزمات متتالية إلى قطاع التعليم العالي ثم إلى البنية الاقتصادية والاجتماعية للدولة ككل، نتيجة
تراجع كفاءة رأس المال البشري.
الحكومة الحالية فشلت في معالجة هذه القضية حيث غلبت عليها الرغبة في تحقيق إنجازات رقمية سريعة وشكلية على حساب الإصلاح الهيكلي والتربوي العميق، وقد آن الأوان لسياسة تعليمية مستقرة شفافة وقابلة للمحاسبة تعتمد على تشريعات ثابتة لا تتغير بتغير الأشخاص أو الحقائب الوزارية.
ختاماً، إن استمرار هذا النهج في التعامل مع ملف التعليم الثانوي لا يهدد فقط بضياع سنوات من عمر الطلاب، بل يضرب في عمق التنمية المستدامة التي تنشدها الدولة. إن بناء نظام تعليمي ناجح يتطلب شجاعة الاعتراف بالأخطاء، والتوقف الفوري عن الارتجال، والالتزام بجدول زمني يضمن استقرار القواعد قبل تطبيق أي تطوير. لا يمكن للمجتمع أن يظل في حالة ترقب دائم ومخاوف من “مفاجآت” وزارية لا تأتي بجديد جوهري. لذا، فإن الدعوة اليوم ليست لمجرد تغيير في الإجراءات، بل هي صرخة من أجل ميثاق وطني يخرج التعليم من دائرة التجاذبات السياسية والإدارية، ليعود إلى مساره الصحيح كأولوية قومية مقدسة، تضمن للأجيال القادمة حقها في تعليم يحترم عقولهم، ويصقل مهاراتهم، ويجعل من مستقبلهم طموحاً لا ضحية.
تم نسخ رابط الخبر










