⚡ عاجل
عربى و دولى
أخر الأخبار

التهرب من الخدمة العسكرية في إيران.. تاريخ طويل ودوافع متشابكة وتداعيات تتجاوز المؤسسة العسكرية

 

التهرب من الخدمة العسكرية في إيران.. تاريخ طويل ودوافع متشابكة وتداعيات تتجاوز المؤسسة العسكرية

كتبت/هدي احمد

تُعد الخدمة العسكرية الإلزامية من القضايا المتجذرة في الدولة الإيرانية الحديثة، ولم تكن ظاهرة التهرب منها وليدة السنوات الأخيرة، بل رافقت نظام التجنيد منذ تأسيسه وتطورت أشكالها ودوافعها مع التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها البلاد.

وفي ظل تصاعد التوترات العسكرية والأمنية التي تشهدها إيران، تكتسب مسألة التهرب من الخدمة والفرار منها أهمية إضافية، خصوصًا مع ورود تقارير حديثة عن تراجع المعنويات وازدياد حالات الغياب داخل بعض الوحدات العسكرية والأمنية. ومع ذلك، لا تتوافر بيانات رسمية حديثة تسمح بقياس حجم الظاهرة على مستوى القوات الإيرانية ككل، ولذلك ينبغي التعامل مع التقارير الجزئية بحذر.

من التجنيد الإلزامي إلى أزمة التهرب

تعود جذور نظام التجنيد الإلزامي الحديث في إيران إلى عهد رضا شاه بهلوي، عندما أصبح التجنيد الشامل أحد ركائز مشروع بناء الدولة وتحديث المؤسسات العسكرية. وبموجب قوانين تلك المرحلة، كان الرجال يُستدعون للخدمة العسكرية، التي كانت تشمل في إحدى صيغها خدمتين فعلية واحتياطية، فيما ساهم النظام في دمج قطاعات واسعة من المجتمع داخل مؤسسات الدولة.

وبعد قيام الجمهورية الإسلامية، استمر نظام الخدمة الإلزامية، وأصبح الإطار القانوني الأساسي لتنظيمه يستند إلى قانون الخدمة العسكرية العامة، إلى جانب قانون العقوبات الخاص بالجرائم العسكرية والقوانين ذات الصلة.

وبموجب النظام الحالي، تُفرض الخدمة العسكرية على الرجال ضمن الفئات العمرية المحددة قانونًا، وتتراوح مدتها، بحسب نوع الخدمة والظروف، بين 14 و24 شهرًا. كما توجد إعفاءات طبية وغير طبية وفق شروط محددة.

ماذا يقول القانون عن الغياب والفرار؟

يفرق القانون الإيراني عمليًا بين مجرد التأخر أو الغياب عن موعد الالتحاق وبين الفرار من الخدمة بعد الالتحاق بها.

وتنص المادة 58 من قانون الخدمة العسكرية العامة على اعتبار الشخص متغيبًا إذا لم يقدم نفسه في الموعد المحدد، مع فرض عقوبات إضافية على مدة الخدمة. وفي حالات الغياب الطويل يمكن إحالة الملف إلى الجهات القضائية المختصة. كما يعاقب القانون على الفرار أثناء الخدمة وفق أحكام قانون العقوبات الخاص بالجرائم العسكرية.

وتشير أحدث المعلومات المتاحة إلى أن الغياب الأولي لمدة تصل إلى ثلاثة أشهر في وقت السلم قد يؤدي إلى إضافة ثلاثة أشهر إلى مدة الخدمة، بينما يمكن أن تصل الإضافة إلى ستة أشهر في حالات أطول. أما خلال الحرب، فتكون الحدود الزمنية للغياب والعقوبات مختلفة وأكثر تشددًا، وقد يؤدي الغياب الطويل إلى اعتبار الشخص فارًا وإحالته للقضاء.

ولا تقتصر التداعيات على العقوبة العسكرية أو القضائية؛ إذ يمكن أن يؤدي عدم تسوية الوضع العسكري إلى قيود على التوظيف والتعليم العالي والحصول على بعض التراخيص والقروض، فضلًا عن تأثيره على جواز السفر والسفر إلى الخارج.

لماذا يتهرب الإيرانيون من الخدمة؟

لا يمكن تفسير التهرب من الخدمة بعامل واحد، إذ تتداخل الدوافع الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية والسياسية.

أولًا: العامل الاقتصادي. تشير دراسة اقتصادية حديثة عن إيران إلى أن الخدمة الإلزامية تؤدي إلى خسارة جزء من الخبرة التي كان يمكن للشاب اكتسابها في سوق العمل خلال بداية حياته المهنية، إضافة إلى انخفاض الدخل خلال فترة الخدمة. وخلصت الدراسة إلى أن هذه الآثار تمثل أحد أبرز التكاليف الاقتصادية للتجنيد الإلزامي.

كما تشير معلومات حديثة إلى أن رواتب المجندين تبقى منخفضة نسبيًا مقارنة برواتب العاملين في القوات المسلحة، رغم زيادات أعلنت خلال السنوات الماضية.

ثانيًا: التعليم وتأجيل الخدمة. تظهر الدراسات أن الخوف من التجنيد دفع بعض الشباب إلى مواصلة التعليم أو تأجيل الدخول إلى سوق العمل. ووجدت دراسة أكاديمية أن قاعدة إعفاء مرتبطة بوضع الأسرة أدت إلى زيادة الالتحاق بالجامعة بين فئة محددة من الشباب بنسبة 14 نقطة مئوية، بما يعكس تأثير الخدمة العسكرية في القرارات التعليمية.

ثالثًا: ظروف الخدمة. تتفاوت ظروف المجندين بحسب مكان ونوع الخدمة، إلا أن تقارير حديثة أشارت إلى انخفاض الرواتب، وصعوبات في بعض أماكن الانتشار، وقيود على الإجازات، وظروف معيشية صعبة في بعض مراكز التدريب والخدمة.

رابعًا: الهجرة. بالنسبة إلى بعض الشباب، يمكن أن يصبح السفر إلى الخارج وسيلة لتجنب الخدمة أو تأجيلها، لكن ذلك يخضع لقيود قانونية وإجراءات مرتبطة بوضع الخدمة العسكرية. ويحتاج الرجال الذين لم يستكملوا خدمتهم إلى ترتيبات وتصاريح محددة للسفر في حالات معينة.

أساليب التهرب.. بين المسارات القانونية والمخالفات

تاريخيًا، لم يقتصر التعامل مع الخدمة العسكرية على الالتحاق أو الرفض، بل ظهرت مجموعة من المسارات التي سمحت للشباب بتأجيل الخدمة أو الحصول على إعفاء وفق شروط قانونية، مثل الإعفاءات الطبية والعائلية والتعليمية.

وفي المقابل، شملت المخالفات غير القانونية الغياب عن موعد التجنيد، والفرار بعد الالتحاق، واستخدام وثائق أو شهادات مزورة للحصول على إعفاء. ويجرّم القانون الإيراني عمليات التزوير والرشوة أو تقديم شهادات كاذبة بهدف الحصول على الإعفاء، وقد تصل العقوبات في بعض الحالات إلى السجن.

كما عرفت إيران في فترات مختلفة برامج للعفو عن بعض حالات الغياب أو تسوية أوضاع المتخلفين، إلى جانب مقترحات سابقة للسماح بشراء الخدمة مقابل مبالغ مالية. وتظهر أحدث المعلومات أن هذه السياسة ظلت موضع جدل، خصوصًا بسبب الانتقادات التي اعتبرت شراء الخدمة ميزة متاحة للأكثر ثراءً.

ماذا يعني ارتفاع التهرب بالنسبة إلى إيران؟

إذا اتسعت حالات التهرب والفرار بصورة مستمرة، فإن التأثير لا يقتصر على أعداد المجندين، بل يمكن أن يمتد إلى قدرة المؤسسات العسكرية على التخطيط للقوة البشرية وتوزيع الأفراد والحفاظ على مستويات الجاهزية.

وتزداد أهمية المسألة في فترات الحرب والتوتر الأمني، عندما تحتاج القوات إلى أعداد أكبر من الأفراد وإلى مستويات مرتفعة من الانضباط والاستعداد. وفي الوقت نفسه، قد يؤدي تشديد العقوبات والقيود المدنية إلى زيادة الاحتكاك بين الدولة وفئات من الشباب، خصوصًا إذا ارتبطت الخدمة لديهم بتكاليف تعليمية أو اقتصادية مرتفعة.

كما أن استمرار المشكلة يمكن أن يترك آثارًا اقتصادية طويلة المدى. فالدراسات الاقتصادية تشير إلى أن التجنيد الإلزامي يؤثر في الدخول والخبرة المهنية خلال السنوات الأولى من الحياة العملية، بينما تظهر أبحاث أخرى أن الخوف من الخدمة يؤثر في القرارات التعليمية نفسها.

وفي المقابل، لا ينبغي الخلط بين التهرب من التجنيد قبل الالتحاق والفرار من الخدمة بعد الالتحاق؛ فالثاني يرتبط بإطار قانوني وعسكري أكثر صرامة، وقد تكون تبعاته مختلفة بصورة كبيرة، خصوصًا في ظروف الحرب. كما أن التقارير عن نسب مرتفعة للغياب داخل وحدات بعينها لا تكفي وحدها لإثبات وجود ظاهرة مماثلة على مستوى جميع القوات الإيرانية.

خلاصة الحملة الإعلامية

تكشف قضية التهرب من الخدمة العسكرية في إيران عن إشكالية تتجاوز كونها مخالفة قانونية؛ فهي تقع عند تقاطع الإلزام العسكري والاقتصاد والتعليم والهجرة والعلاقة بين الشباب والدولة. وقد حافظت السلطات على نظام التجنيد باعتباره جزءًا أساسيًا من منظومة الدفاع، في حين دفعت تكاليف الخدمة وظروفها وآثارها على المسار التعليمي والمهني بعض الشباب إلى البحث عن التأجيل أو الإعفاء أو، في حالات أخرى، مخالفة القانون.

ومع استمرار التوترات العسكرية، تصبح معدلات الغياب والفرار والمعنويات داخل القوات مؤشرات تستحق المتابعة، لكن تقييم حجم الظاهرة يتطلب بيانات رسمية أو مصادر مستقلة واسعة النطاق، وليس الاعتماد على حالات فردية أو تقارير غير قابلة للتحقق بصورة مستقلة.

تم نسخ رابط الخبر