البحث عن فضيحة… إعلام على طريقة “واحد صاحبي متعرفوش”
بقلم دكتور/ طارق هلال – خبير في الشؤون السياسية والاقتصادية
تخيل معايا يا سيدي إننا صحينا الصبح، وقررنا نعمل فيلم جديد بعنوان «البحث عن فضيحة»… بس المرة دي مش فيلم سينما، ده فيلم شغال على مدار الساعة، وكل يوم له أبطال جدد، وحلقات مفتوحة، وجمهور مستعد يدفع من وقته وأعصابه عشان يعرف: مين قال إيه؟ ومين اتخانق مع مين؟ ومين فضح مين؟
والأطرف إننا ممكن نكون مشغولين بفضيحة بلوجر، بينما فضيحة أكبر بتدور حوالينا ومحدش
واخد باله!
زمان، في فيلم «البحث عن فضيحة»، كان عادل إمام وسمير صبري بيقدموا لنا كوميديا خفيفة، ومن أشهر إفيهاته “واحد صاحبي متعرفوش”!.
أما النهارده، فبقينا نعرف أصحاب صاحب البلوجر، ونعرف تفاصيل حياته، ومواعيد خروجه، وأسرار بيته، وأحيانًا نعرف عنه أكتر مما نعرف عن جيراننا!
يا ترى إيه اللي حصل؟ هل إحنا بقينا مجتمعًا بيبحث عن المعرفة، ولا مجتمعًا بيبحث عن الفضائح؟
المشهد يستحق التأمل. بلوجر يطلع يعمل حركة غريبة، أو يقول كلمتين بلا معنى، أو يفتعل خناقة، فيتحول فجأة إلى نجم جماهيري، وتنهال عليه المشاهدات والمتابعات، وكأن العالم كان ينتظر ظهوره بفارغ الصبر.
وفي المقابل، تلاقي إعلاميًا محترمًا بيقدم قضية مهمة، أو متخصصًا بيشرح أزمة اقتصادية، أو برنامجًا بيحاول ينشر الوعي، فيبذل مجهودًا كبيرًا، ويجمع المعلومات، ويستضيف الخبراء… ثم ينتهي الأمر بعدد مشاهدات محدود!
وهنا نقف أمام سؤال كوميدي بطعم المرارة: هل أصبحنا نحتاج إلى فضيحة كي نلفت الانتباه، وإلى صدمة كي نضمن المشاهدة؟
الحقيقة إن الموضوع مش مجرد بلوجر تافه أو إعلام بيبحث عن الإثارة. إحنا أمام معادلة كاملة؛ المنصة عايزة مشاهدات، والمعلن عايز انتشارًا، وصانع المحتوى عايز شهرة، والجمهور
عايز يتفرج.
والمحتوى المثير للجدل غالبًا بيحقق المعادلة بسهولة؛ لأنه بيحرك الفضول والغضب، ويشعل التعليقات، ويخلي المشاهد مستني الحلقة الجاية.
أما المحتوى الهادف، فغالبًا بيحتاج تركيزًا وصبرًا، ودي بقت عملات نادرة في سوق
المشاهدة السريعة.
يعني لو واحد طلع يناقش الأمن القومي أو الاقتصاد، ممكن نسمعه ونقول: كلام محترم، ونكمل يومنا.
لكن لو واحد طلع يتخانق مع مراته على الهواء، تلاقي الناس كلها داخلة تتفرج، وتعلق، وتشارك، وتطلب الجزء الثاني!
والأغرب إننا أحيانًا بننتقد المحتوى التافه، ثم نساهم في انتشاره من غير ما نحس. نشارك الفيديو عشان نفضح صاحبه، ونكتب تعليقًا غاضبًا، ونحذر الناس منه… وبكده نكون قدمنا له دعاية مجانية، ورفعنا عدد مشاهداته!
يعني نروح نبحث عن فضيحة، ونكتشف في النهاية إننا جزء من فريق الإنتاج!. لكن هل الجمهور وحده هو المسؤول؟ بالطبع لا.
الإعلام مسؤول عن اختياراته، وصانع المحتوى مسؤول عن رسالته، والمنصات مسؤولة عن آليات الانتشار، لكن الجمهور أيضًا مش مجرد متفرج بريء؛ فكل مشاهدة، وكل مشاركة، وكل تعليق، هو تصويت غير مباشر على نوع المحتوى اللي عايزينه ينتشر.
مش مطلوب مننا نلغي الضحك، ولا نحول حياتنا إلى محاضرة طويلة في الوعي. الترفيه ضرورة، والكوميديا جزء من ثقافتنا، لكن المشكلة لما تتحول الهيافة إلى قيمة، والفضيحة إلى بطولة، والجهل إلى شهرة، ويصبح صاحب المحتوى الجاد مضطرًا للاعتذار عن جديته كي يحصل على
فرصة للمشاهدة!
الإعلام مش مجرد شاشة بتعرض، لكنه مرآة بتعكس جانبًا من اهتمامات المجتمع، وفي الوقت نفسه بيؤثر في تشكيل هذه الاهتمامات.
فلو فضلنا نكافئ التفاهة بالمشاهدة، ونحرم المحتوى الجيد من الاهتمام، فلا يصح أن نتعجب عندما تصبح التفاهة هي الأكثر حضورًا.
وفي النهاية، يبدو أننا لم نعد بحاجة إلى فيلم جديد بعنوان «البحث عن فضيحة»… فالفيلم موجود بالفعل، وأبطاله يتغيرون كل يوم، وشباك التذاكر مفتوح على مصراعيه.
لكن السؤال الذي يستحق أن نبحث عن إجابته ليس: مين صاحب الفضيحة الجاية؟ بل: إمتى هنزهق من الفرجة على الفضائح، ونبدأ ندور على حاجة تستحق المشاهدة؟
فربما تكون المشكلة الحقيقية أننا لا نعاني من نقص في المحتوى الجيد… بقدر ما نعاني من فائض في البحث عن الفضائح!
وإلى أن يحدث ذلك،
سيظل «واحد صاحبي متعرفوش» هو نجم الموسم… حتى لو كان الموسم كله بلا مضمون!
..
.










