بداية السرطان من الخلية.. كيف تؤدي تغيرات الـDNA إلى نمو غير طبيعي؟

بداية السرطان من الخلية.. كيف تؤدي تغيرات الـDNA إلى نمو غير طبيعي؟
كتبت/ هينار ثروت
تبدأ أجسامنا في إنتاج ملايين الخلايا الجديدة بصورة مستمرة لتعويض الخلايا القديمة أو التالفة، وتتم هذه العملية وفق نظام دقيق تتحكم فيه مجموعة من الإشارات الجينية التي تحدد متى تنمو الخلية ومتى تنقسم ومتى تتوقف أو تموت. لكن حدوث تغيرات في المادة الوراثية «DNA» قد يؤثر في هذه الآليات، وفي بعض الحالات يمكن أن يؤدي تراكم هذه التغيرات إلى فقدان الخلايا السيطرة على نموها وانقسامها، وهو ما يمثل إحدى الخطوات الأساسية في نشأة السرطان.
ما دور الـDNA داخل الخلية؟
يحتوي الـDNA على التعليمات التي تستخدمها الخلايا لصنع البروتينات وتنظيم العديد من وظائف الجسم. وتوجد أجزاء من الـDNA تعرف باسم الجينات، وتعمل بعض هذه الجينات على تنظيم نمو الخلايا وانقسامها وإصلاح الأضرار التي تصيب المادة الوراثية.
وعندما يحدث تلف في الـDNA، تمتلك الخلية آليات لإصلاحه. وإذا تعذر إصلاح الضرر بشكل صحيح، يمكن للخلية في كثير من الحالات أن تتوقف عن الانقسام أو تدخل في عملية موت خلوي مبرمج. لكن عندما تتأثر الجينات المسؤولة عن هذه العمليات، قد تستمر الخلية في الانقسام رغم وجود خلل فيها.
كيف تحدث التغيرات الجينية؟
يمكن أن تحدث التغيرات أو الطفرات الجينية لأسباب مختلفة. بعضها يحدث بصورة عشوائية أثناء انقسام الخلايا، بينما يمكن أن ترتبط تغيرات أخرى بالتعرض لعوامل بيئية أو سلوكية، مثل دخان التبغ والأشعة فوق البنفسجية وبعض المواد الكيميائية.
كما يمكن أن يرث الشخص تغيرات جينية معينة من والديه، ما قد يزيد الاستعداد للإصابة بأنواع محددة من السرطان. ومع ذلك، فإن وجود تغير جيني موروث لا يعني بالضرورة الإصابة بالسرطان، وإنما قد يزيد احتمالية حدوثه مقارنة بغيره.
عندما تتعطل إشارات النمو
تحتوي الخلايا الطبيعية على إشارات تساعدها على معرفة متى تنمو ومتى تنقسم. وتوجد جينات يمكن أن تعمل على تحفيز النمو، وأخرى تساعد على إيقافه عند الحاجة.
إذا حدثت تغيرات في الجينات التي تتحكم في هذه الإشارات، فقد تبدأ الخلية في تلقي إشارات مستمرة للنمو والانقسام، أو قد تفقد قدرتها على الاستجابة لإشارات التوقف. ومع استمرار هذه العملية، يمكن أن تتكون مجموعة من الخلايا غير الطبيعية.
فقدان القدرة على التخلص من الخلايا التالفة
من خصائص الخلايا الطبيعية أنها تستطيع التخلص من نفسها عندما تصبح تالفة بصورة لا تسمح بإصلاحها، من خلال عملية تعرف باسم الموت الخلوي المبرمج.
لكن بعض التغيرات الجينية قد تعطل هذه الآلية، ما يسمح للخلايا غير الطبيعية بالبقاء لفترة أطول من المعتاد والاستمرار في الانقسام. ومع تراكم المزيد من التغيرات، يمكن أن تصبح الخلايا أكثر قدرة على النمو والبقاء.
من خلية غير طبيعية إلى ورم
ليس كل تغير في الـDNA يؤدي إلى السرطان، وليس كل خلية غير طبيعية تتحول إلى ورم. ففي كثير من الحالات، يتم إصلاح الضرر أو تتخلص أجهزة الجسم من الخلايا غير الطبيعية.
لكن تراكم مجموعة من التغيرات التي تؤثر في نمو الخلية وإصلاح الـDNA والموت الخلوي يمكن أن يمنح الخلايا ميزة في البقاء والانقسام. وقد يؤدي ذلك إلى تكوين كتلة من الخلايا تعرف بالورم.
وتوجد أورام حميدة لا تغزو الأنسجة المحيطة ولا تنتشر إلى أماكن أخرى، بينما تتميز الأورام الخبيثة بقدرتها على غزو الأنسجة والانتقال إلى أجزاء أخرى من الجسم.
كيف ينتشر السرطان؟
عندما تصبح الخلايا السرطانية قادرة على غزو الأنسجة المحيطة، يمكن لبعضها الوصول إلى الأوعية الدموية أو الجهاز اللمفاوي، ثم الانتقال إلى أعضاء أخرى وتكوين أورام جديدة، وهي العملية التي تعرف باسم الانتشار أو النقيلة.
وتختلف قدرة السرطان على النمو والانتشار حسب نوعه والخصائص الجينية للخلايا السرطانية والبيئة المحيطة بالورم، لذلك لا تتصرف جميع السرطانات بالطريقة نفسها.
هل يمكن منع تغيرات الـDNA؟
لا يمكن منع جميع التغيرات الجينية، لأن بعضها يحدث بصورة طبيعية مع انقسام الخلايا والتقدم في العمر. لكن يمكن تقليل التعرض لبعض عوامل الخطر المعروفة، مثل التدخين والأشعة فوق البنفسجية، إلى جانب الحفاظ على وزن صحي، وممارسة النشاط البدني، واتباع نظام غذائي متوازن، والالتزام بالفحوصات المناسبة وفق العمر وعوامل الخطورة.
كما يساعد الاكتشاف المبكر لبعض أنواع السرطان على بدء العلاج في مراحل تكون فيها فرص السيطرة على المرض أفضل.
وفي النهاية، لا يبدأ السرطان عادة بسبب خلل واحد بسيط فقط، بل نتيجة تراكم تغيرات جينية تؤثر في مجموعة من الآليات التي تنظم نمو الخلايا وإصلاحها والتخلص منها. وفهم هذه العملية يساعد العلماء على تطوير طرق أفضل للوقاية والكشف المبكر والعلاج، كما يؤكد أهمية تقليل عوامل الخطر والاهتمام بالفحوصات الطبية المناسبة.










