⚡ عاجل
مقالات
أخر الأخبار

دعاء النمر تكتب: جائزة نوبل تسعى إلى آن كارسون.. ألبست الرواية ثوب الشعر

 

دعاء النمر تكتب: جائزة نوبل تسعى إلى آن كارسون.. ألبست الرواية ثوب الشعر

كتبت/هدي احمد

لم يكن إعلان الأكاديمية السويدية عن فوز الكاتبة والشاعرة الكندية آن كارسون بجائزة نوبل في الأدب لعام 2026 وهي التاج الأسمى الذي يتوج به المبدع  تكريماً لإخلاصه لنبض قلمه وصدق موهبته مجرد خبر صحفي عابر، بل كان زلزالاً نقدياً أعلن بوضوح عن انتصار الأدب الذي يرفض أن يُسجن في قوالب روتينية صلبة. إن نوبل هذا العام لم تذهب إلى “كارسون” وحدها،

بل ذهبت إلى أفق جديدة فارقة في عالم القصة والرواية مما يطلق عليه “التهجين” وجماليات التعددية التي حولتها هذه الساحرة إلى فن قائم بذاته؛ وكيف لا، وهي الشاعرة والروائية التي نفخت في جسد الرواية روحاً شعرية جديدة، وجعلت السرد يتنفس بنبض وأسئلة القصيدة.

في بيانها الرسمي، ذكرت لجنة نوبل أن كارسون استحقت الجائزة “عن أعمالها الجريئة والمبتكرة، التي استطاعت عبرها خلق حوارٍ مرحٍ مع التراث الكلاسيكي وتحطيم الروتين، كما خلقت أشكالاً جديدة للأدب المعاصر من خلال إحياء الأعمال القديمة وإعادة استلهامها”.

وهنا يكمن الجوهر، فنوبل لم تحتف بـ “آن كارسون” كعالمة بالدراسات الكلاسيكية أو مترجمة أمينة للنصوص اليونانية واللاتينية القديمة فحسب، بل احتفت بها ككاتبة متعددة الألوان والأطياف الأدبية، تتقن التنقل بشفافية بين الشعر، والقصة، والرواية، والمقال الفلسفي، والمسرح. كارسون لم تكن تستعيد الأساطير بوصفها آثاراً ميتة أو حكايات خيالية وفانتازيا مجردة، بل كانت “تسرق النار من ألسنتها” لتبثها حية في أجساد شخصيات معاصرة تعاني القلق والظمأ إلى الحب في عالمنا الحديث.

لقد جاءت نوبل تلهث بشغف خلف تجربة آن كارسون، تلك التي تمكنت بجرأتها الشديدة من تفكيك الماضي وإعادة تركيبه بأسلوب يتجاوز الحدود الصلبة بين الأنواع الأدبية، لتطفو روح الشعربوصفها الروح السائدة والملهمة على مجرى أعمالها السردية بأكملها.

يتجلى التميز والتفرد لدى “آن كارسون” في كونها أديبة متعددة الألوان في فنون الكتابة، فهي تجمع بين عمق الباحثة، والخيال الجامح للروائية، وشغف وإحساس الشاعرة، ودقة المترجمة. غير أن ما جعل منها مبدعة استثنائية حقاً، هو أن شاعريتها الأصيلة طغت على بقية أعمالها الأدبية، لتصبح هي البوصلة والمحرك الأساسي لقصصها، ورواياتها، ومقالاتها.

عند كارسون، لا توجد فواصل صلبة أو سدود منيعة بين القصيدة والرواية، ولا بين القصة القصيرة والمقال النقدي، غير أن هذا المزيج المدهش لا يترك القارئ حائراً ولا حابساً أنفاسه بين جفاف السرد الروائي وهامش الهيام الشعري، بل يجعله يتنقل في مساحة منسجمة من الفن الخالص. فعندما تصوغ القصة والرواية بلغة الشعر، لا تعتمد كارسون على النثر السردي التقليدي أو المباشرة التقريرية، بل تبني قلاعها الأدبية وعوالمها بنبض شعري مكثف يمزج بين الاستعارات والجماليات، حيث تتحول الأفكار إلى صور بصرية حية تأسر الوجدان وتخاطب العقل في آنٍ واحد.

وحين نتأمل مقالاتها النقدية عن الفلسفة أو الأدب الكلاسيكي، نجدها تجسد لوحة فنية لقصيدة مكتملة الأركان الجمالية إذ تطرح أفكارها عبر صور بصرية وتراكيب ملهمة تجعل القارئ يتذوق الفلسفة بنفس الشعور الذي يتذوق به الشعر.

لقد كان لكارسون السبق في ولادة “الرواية الشعرية”، وهي الإضافة التي طالما بحث عنها النقاد والروائيون. والإجابة عن سؤال الإضافة التي قدمتها كارسون لفن الرواية تتلخص في عملها المرجعي الخالد “سيرة ذاتية للأحمر” (Autobiography of Red) الصادر عام 1998، والذي عرّفته بأنه “رواية شعرية” (Novel in Verse). كارسون هنا لم تكتفِ بكتابة قصة، بل قدمت قالباً أدبياً مبتكراً طغت فيه الشاعرية على أركان السرد الروائي.

لقد أخذت كارسون أجزاءً متناثرة من قصيدة قديمة للشاعر اليوناني ستيزيخوروس عن أسطورة “هرقل والوحش الأحمر جيريونييس”، وبدلاً من إعادة سرد الأسطورة في قالب قصصي تقليدي، حوّلت الوحش جيريونييس إلى صبي خجول وفنان معاصر يعاني من الاضطرابات والمعوقات في عالم حديث، وعالجت قصته بأسلوب يمزج بين الشعر والنثر والمسرح. وهنا تجسدت الإضافة الحقيقية؛ فالرواية عند آن كارسون لم تعد تلبس ثوب النثر المجرد، بل تداخل فيها النّفَس الشعري مع الحوار الدرامي والصور البصرية.

فحين تقترب كارسون من الترجمة، لا تفعل ذلك لتنقل معنى حرفياً مجرداً كما هو، بل تترجم بلسان شاعرة تعيد هندسة عواطف النصوص القديمة وتضع شخوصها في حوار حي مع الشعر المعاصر. ومن خلال تتبع أعمالها، تجد أن كتابة كارسون لا تقول كل شيء، بل تترك مساحات شاسعة من الصمت والبياض تأخذ القارئ إلى أبعاد شعرية عميقة تعكس ما نفتقده كبشر، وما يفتقده وعينا الإنساني المعاصر من دفء واكتمال.

وكأن “آن كارسون” بفرادتها ككاتبة وشاعرة جعلت جائزة نوبل تسعى إليها بكل شغف، كأنها طفل يبحث عن أمه في ازدحام العالم، لتلتقفه نوبل حين عثرت عليه بذراعيها، وكأنها كانت تتعطش طويلاً لاحتضان هذا الإبداع الاستثنائي.

إن فوز آن كارسون بنوبل هو احتفاء حقيقي بالأدب الجريء وغير التقليدي أو بالأحرى “الأدب المغاير” الذي يتمرد على قوالب الروتين مع الاحتفاظ بجوهر الأصالة والمعنى الأدب الذي يمزج الألوان والأجناس ببراعة، وبشاعرة استطاعت أن تفيض بروحها الشعرية على القصة والرواية لتعيد تعريف الفنون الأدبية من منظور جديد ومبتكر. لقد أثبتت كارسون بجلاء أن الرواية لم تكن تحتاج سوى لروح الشاعر لتواصل الحياة بأشكال غير تقليدية وتنهض من جديد.

نقدم لكم من خلال موقع (الرأى العام المصرى )، تغطية ورصدًا مستمرًّا على مدار الـ 24 ساعة لـ أسعار الذهب، أسعار اللحوم ، أسعار الدولار ، أسعار اليورو ، أسعار العملات ، أخبار الرياضة ، أخبار مصر، أخبار اقتصاد ، أخبار المحافظات ، أخبار السياسة، ويقوم فريقنا بمتابعة حصرية لجميع الأحداث الهامة و السياسة الخارجية والداخلية بالإضافة للنقل الحصري لـ أخبار الفن والعديد من الأنشطة الثقافية والأدبية.

لمتابعة صفحة الرأى العام المصرى على فيس بوك اضغط هنا

لمتابعة صفحة الرأى العام المصرى نيوز  على فيس بوك اضغط هنا

لمتابعة صفحة قناة نيو دريم   على فيس بوك اضغط هنا

لمتابعة الرأى العام المصرى على الانستجرام اضغط هنا 

لمتابعة الرأى العام المصرى على الواتساب اضغط هنا 

لمتابعة الرأى العام المصرى على التليجرام  اضغط هنا 

لمتابعة الرأى العام المصرى على تويتر  اضغط هنا 

لمتابعة الرأى العام المصرى على اليوتيوب  اضغط هنا

لمتابعة الرأى العام المصرى على التيك توك اضغط هنا

لمتابعة الرأى العام المصرى على كواى  اضغط هنا

 

تم نسخ رابط الخبر