كتبت / هينار ثروت
تثير حالة مراهق يبلغ من العمر 16 عامًا اهتمام الباحثين بعد أن أظهر قدرة استثنائية على تذكر تفاصيل دقيقة من حياته الشخصية، في حالة نادرة تعرف باسم الذاكرة الذاتية الفائقة أو HSAM، وهي قدرة تجعل الشخص قادرًا على استرجاع عدد كبير من أحداث ماضيه الشخصي بسرعة ودقة لافتتين.
وتختلف هذه الحالة عن مهارات الحفظ التي يكتسبها بعض الأشخاص من خلال التدريب، مثل أبطال مسابقات الذاكرة، إذ لا يعتمد الشخص المصاب بها على استخدام تقنيات متعمدة لتخزين المعلومات أو استرجاعها. وبدلًا من ذلك، تظهر ذكريات حياته الشخصية بصورة تلقائية وسريعة، وقد ترتبط بتواريخ أو أحداث معينة مر بها في سنوات سابقة.
وتركز الدراسة الحديثة على مراهق أطلق عليه الباحثون اسم KCL حفاظًا على خصوصيته. وكان المراهق قد أدرك في يناير 2025 أن لديه قدرة غير معتادة على تذكر أحداث شخصية قديمة بتفاصيل شديدة الدقة، ولذلك تواصل بنفسه مع أحد الباحثين المتخصصين في هذا المجال، طالبًا معرفة ما إذا كانت قدرته يمكن أن تكون موضوعًا للدراسة العلمية.
وبعد التواصل مع المراهق وأسرته والحصول على الموافقات اللازمة، بدأ فريق البحث في إخضاعه لسلسلة من الاختبارات المتخصصة للتأكد من طبيعة قدرته. وأظهرت الاختبارات المعتمدة أنه جاء ضمن أعلى 0.1% من المشاركين فيما يتعلق بالقدرة على استرجاع الذكريات الشخصية، وهو ما دعم انطباق معايير الذاكرة الذاتية الفائقة عليه.
ولم يكتف الباحثون بقياس قدرة المراهق على تذكر المعلومات عندما يُطلب منه ذلك، وإنما اهتموا بجانب آخر من الذاكرة، وهو الذكريات التي تظهر تلقائيًا دون محاولة متعمدة لاسترجاعها. ويحدث هذا النوع من التذكر لدى معظم الأشخاص، فقد تثير رائحة أو كلمة أو مكان أو أغنية ذكرى قديمة بصورة مفاجئة.
وأظهرت الدراسة أن المراهق لا يمتلك قدرة استثنائية على استرجاع ذكرياته الشخصية عند سؤاله عنها فقط، بل إن ذكريات الماضي تظهر في ذهنه بصورة تلقائية بمعدل مرتفع أيضًا. وأجرى الباحثون الاختبارات عن بُعد على مدار سبع جلسات بسبب بُعد مكان إقامة المراهق عن الفريق البحثي.
ويرى الباحثون أن هذه النتائج يمكن أن تساعد في فهم الآلية التي تقف وراء الذاكرة الذاتية الفائقة، خاصة أن معظم الدراسات السابقة ركزت على قدرة الأشخاص الذين يتمتعون بهذه الحالة على استرجاع المعلومات بصورة إرادية، بينما لا يزال الجانب التلقائي من الذاكرة أقل فهمًا.
وتشير الأبحاث إلى أن الأشخاص الذين لديهم HSAM يستطيعون تذكر أحداث شخصية من سنوات سابقة بتفاصيل دقيقة، وقد تشمل الذكريات معلومات عن المكان والطقس وما حدث في يوم معين. ولا يعني ذلك بالضرورة أن كل أنواع الذاكرة لديهم أفضل من المعتاد؛ إذ أظهرت دراسات أن أداء أصحاب هذه القدرة في بعض اختبارات الذاكرة العامة قد يكون طبيعيًا، بينما يتميزون بصورة خاصة في مجال ذكريات حياتهم الشخصية.
وتكتسب دراسة حالة المراهق أهمية إضافية لأن الأبحاث حول الذاكرة الذاتية الفائقة لدى المراهقين ما زالت محدودة، بينما ركزت دراسات سابقة بصورة أكبر على البالغين. كما ظهرت خلال عام 2026 أبحاث أخرى تناولت حالات لدى مراهقين في سن مبكرة، ما يفتح المجال أمام دراسة كيفية تطور هذه القدرة خلال مراحل النمو.
ولا تعتبر الذاكرة الذاتية الفائقة مرضًا بالمعنى التقليدي، وإنما ظاهرة معرفية نادرة تتعلق بطريقة استرجاع الذكريات الشخصية. ويأمل الباحثون أن تساعد دراسة هذه الحالات النادرة على فهم الطريقة التي يخزن بها الدماغ ذكريات الحياة اليومية، ولماذا تختفي بعض التفاصيل من ذاكرة معظم الناس بينما تظل تفاصيل دقيقة حاضرة لدى أشخاص آخرين.
وتوضح هذه الحالة أن الذاكرة البشرية ليست مجرد مخزن ثابت للمعلومات، وإنما نظام معقد يتأثر بالانتباه والتجارب والمحفزات المختلفة. ومن خلال دراسة الأشخاص الذين يمتلكون قدرات استثنائية في التذكر، يمكن للعلماء الاقتراب أكثر من فهم الطريقة التي يستعيد بها الدماغ أحداث الماضي، وكيف يمكن لبعض الذكريات أن تعود إلى الذهن بصورة تلقائية دون قرار مسبق من الشخص.











