من سرق دفء البيوت ؟
كتبت الأديبة والشاعرة سهام حلمى
فى زمن لم يكن بعيدا، كانت البيوت المصرية تبنى على دفء المشاعر قبل صلابة الجدران. كانت الأم قلب المنزل النابض، تستيقظ قبل الجميع، وتنام بعد الجميع، تحمل على كتفيها أعباء لا تحصى، لكنها كانت تؤديها بمحبة لا تشعر معها أنها تؤدى واجبا ثقيلا، بل تمارس أجمل أدوار الحياة.
كانت تربى أبناءها بيديها، تتابع خطواتهم الأولى، وتحفظ ملامح وجوههم، وتقرأ ما فى أعينهم قبل أن ينطقوا بكلمة. كانت تعرف متى يمرض أحدهم من تغير نبرة صوته، ومتى يحزن من نظرة عابرة فى عينيه. لم تكن العلاقة بين الأم وأبنائها مجرد علاقة رعاية، بل كانت نسيجا من الحنان والأمان والانتماء.
وكان الزوج يعود إلى بيته بعد يوم طويل، فيجد السكينة تنتظره خلف الباب، وتجد الزوجة فى عودته شعورا بالاستقرار والاحتواء. لم تكن خدمة الزوج والأبناء آنذاك تنظر إليها على أنها انتقاص من المرأة أو تقليل من شأنها، بل كانت تعبيرا عن الحب والمودة والمسؤولية المشتركة.
فالأم التى تعد الطعام لأسرتها ليست خادمة، بل قلب يمنح الدفء. والزوجة التى ترتب بيتها وتعتنى بزوجها ليست تابعة، بل شريكة حياة تنسج بخيوط اهتمامها معنى الأسرة. وما كان يربط أفراد البيت لم يكن الواجب وحده،
بل المشاعر التى تجعل كل فرد يشعر بقيمته ومكانته داخل هذا الكيان الصغير.
نشأت أجيال كاملة فى كنف هذا النموذج، تحمل احتراما للأب، وتقديرا للأم، وإيمانا بأن الأسرة ليست ساحة صراع بين رجل وامرأة، بل سفينة لا تصل إلى بر الأمان إلا بتعاون ركابها.
ثم جاءت سنوات حملت معها أفكارا وشعارات جديدة تحت عناوين متعددة، بعضها كان يهدف إلى إنصاف المرأة وحماية حقوقها، وهو هدف نبيل لا خلاف عليه. لكن المشكلة بدأت حين تحولت بعض الخطابات إلى معركة دائمة بين الزوجين، وكأن نجاح أحدهما لا يتحقق إلا على حساب الآخر.
بدأت بعض الرسائل تصور التضحية الأسرية وكأنها ضعف، والعطاء وكأنه استغلال، والاهتمام بالبيت وكأنه انتقاص من القيمة الإنسانية للمرأة.
ومع مرور الوقت تشكلت لدى البعض قناعة بأن كل دور أسرى هو قيد يجب التحرر منه، لا رسالة إنسانية تستحق التقدير.
وكانت النتيجة أن فقدت بعض الأسر حالة التوازن التى كانت تجمع أفرادها. أصبح الحوار أقل، والاحتواء أضعف، وتزايد الشعور بالوحدة داخل البيوت رغم كثرة وسائل التواصل. لم تعد المشكلة فى خروج المرأة للعمل أو مشاركتها فى الحياة العامة، فذلك حق أصيل ومكسب مهم، وإنما فى النظرة التى جعلت الأسرة نفسها تبدو وكأنها عبء يجب التخلص منه.
إن المرأة التى تختار رعاية أبنائها ليست أقل قيمة من امرأة تتولى أرفع المناصب، كما أن المرأة العاملة ليست أقل حبا لأسرتها من ربة المنزل. القيمة الحقيقية لا تكمن فى شكل الدور، بل فى الإخلاص له.
فالأسرة المصرية لم تكن يوما قائمة على الصراع، بل على التكامل. ولم تكن الأم العظيمة تقاس بعدد الساعات التى تقضيها خارج المنزل أو داخله، وإنما بمقدار ما تزرعه من حب وقيم فى نفوس أبنائها. ولم يكن الأب الناجح هو الأكثر سلطة، بل الأكثر رحمة واحتواء.
وربما آن الأوان أن نعيد طرح السؤال من جديد: هل نريد انتصار طرف على طرف؟ أم نريد انتصار الأسرة كلها؟
فالبيوت لا يحفظها قانون وحده، ولا تبنى بالشعارات وحدها، بل تبنى بالرحمة والمودة، وبذلك الشعور العميق الذى يجعل كل فرد يشعر أنه جزء من كيان أكبر منه، كيان اسمه الأسرة.
وإذا كانت المجتمعات تقاس بقوة مؤسساتها، فإن قوة أى مجتمع تبدأ أولا من بيت متماسك، وأم مطمئنة، وأب مسؤول، وأبناء نشأوا على الحب قبل أى شىء آخر.
تم نسخ رابط الخبر










