تتجه إسبانيا إلى توسيع الاعتماد على التكنولوجيا الفضائية في جمع المعلومات ومراقبة المناطق ذات الأهمية الأمنية، مع تعزيز قدراتها في مجال رصد الأرض والاستفادة من صور الأقمار الصناعية التجارية. وتأتي هذه الخطوات في وقت تولي فيه مدريد اهتمامًا متزايدًا بتطوير وسائل مراقبة الحدود والسواحل، خاصة بعد التطورات التي شهدتها مدينة سبتة خلال الأشهر الماضية.
وتعمل السلطات الإسبانية على توفير مصادر متعددة للصور الفضائية، بما يسمح بالحصول على معلومات أكثر دقة عن المناطق التي تحظى بأهمية استراتيجية، والاستفادة منها في عمليات التحليل والتخطيط الأمني.
وفي هذا السياق، أبرمت هيئة الأركان العامة للدفاع الإسبانية اتفاقية إطارية خلال أغسطس الماضي بقيمة تقارب 7.43 مليون يورو، تمتد لمدة عامين، للحصول على صور عالية الدقة من أقمار صناعية تجارية.
وتتيح الاتفاقية إمكانية التعامل مع ما يصل إلى 10 مشغلين، بما يوفر صورًا وبيانات من تقنيات استشعار مختلفة، تشمل المستشعرات البصرية والأشعة تحت الحمراء والرادار، بما يساعد على تكوين صورة أكثر شمولًا عن المناطق التي تتم مراقبتها.
زيادة الاعتماد على الصور الفضائية
وتكشف قيمة الاتفاقية الجديدة عن ارتفاع واضح في حجم الإنفاق الإسباني على هذا النوع من الخدمات مقارنة بعقد سابق أُبرم خلال عام 2025، بلغت قيمته نحو 1.65 مليون يورو ولمدة 15 يومًا فقط.
ويعكس الفارق بين العقدين توسع احتياجات الجهات الإسبانية من البيانات الفضائية، سواء من حيث الفترة الزمنية أو تنوع مصادر المعلومات المستخدمة في عمليات الرصد.
وتكتسب صور الأقمار الصناعية أهمية متزايدة في عمليات المراقبة الحديثة، لأنها توفر إمكانية متابعة مناطق واسعة دون الحاجة إلى وجود مستمر للقوات أو الطائرات في الموقع، كما يمكن معالجة الصور وتحليلها للكشف عن التغيرات التي قد تحمل أهمية أمنية.
«باز 2».. مشروع فضائي إسباني
ولا تقتصر جهود مدريد على شراء الصور من الشركات التجارية، إذ تعمل أيضًا على تعزيز قدرتها الوطنية في مجال مراقبة الأرض من خلال برنامج «باز 2».
ويستهدف البرنامج تطوير قمرين صناعيين مزودين بتكنولوجيا الرادار ذي الفتحة الاصطناعية، إلى جانب توفير البنية التحتية الأرضية والخدمات اللازمة لتشغيل المنظومة، بإجمالي تمويل يقدر بنحو 1.011 مليار يورو.
وتمنح الأقمار المزودة بالرادار قدرة مهمة على رصد سطح الأرض في أوقات مختلفة، إذ لا تعتمد هذه التكنولوجيا بصورة كاملة على ضوء الشمس، كما يمكنها العمل في ظروف جوية قد تحد من فعالية التصوير البصري.
ومن شأن هذه الإمكانات دعم عمليات المراقبة في المناطق الحدودية والسواحل، فضلًا عن استخدامها في مجالات أخرى تتعلق بالأمن وإدارة الأزمات والاستجابة للطوارئ.
سبتة في دائرة الاهتمام
وتحظى مدينة سبتة بأهمية خاصة في الحسابات الأمنية الإسبانية، نظرًا لموقعها الجغرافي وحدودها البرية مع المغرب، وهو ما يجعل مراقبة التحركات في محيطها من الملفات الحساسة بالنسبة للسلطات.
وشهدت المدينة أزمة مرتبطة بتدفق أعداد كبيرة من المهاجرين، الأمر الذي سلط الضوء على طبيعة التحديات التي تواجهها أجهزة الأمن الإسبانية في التعامل مع التحركات المفاجئة بالقرب من الحدود.
وأظهرت وثائق حكومية جرى الكشف عنها خلال سبتمبر وجود تنسيق وتبادل للمعلومات بين عدد من الأجهزة، بينها الشرطة والحرس المدني ومركز الاستخبارات الوطني ومركز استخبارات القوات المسلحة، خلال الفترة التي سبقت الأزمة وتزامنت معها.
كما تضمنت المعلومات المتاحة إشارات إلى تحذيرات استخباراتية بشأن احتمال حدوث تدفق جماعي للمهاجرين.
التكنولوجيا في خدمة مراقبة الحدود
ويمنح الاعتماد على الأقمار الصناعية أجهزة الدولة إمكانية متابعة مناطق جغرافية واسعة وتحليل التطورات التي تحدث فيها بصورة أسرع، خصوصًا عندما يتم دمج الصور الفضائية مع مصادر أخرى للمعلومات.
ولا تقتصر الاستفادة من هذه التكنولوجيا على مراقبة الهجرة أو الحدود، إذ يمكن استخدام البيانات الفضائية في متابعة المنشآت الحيوية، ورصد النشاط البحري، ودعم عمليات البحث والإنقاذ، والتعامل مع الكوارث الطبيعية.
كما تساعد الصور المتكررة للمنطقة نفسها على اكتشاف التغيرات التي قد لا تكون واضحة من خلال المراقبة التقليدية، وهو ما يجعلها أداة مساندة لصنع القرار.
نحو منظومة فضائية أكثر استقلالًا
وتحاول إسبانيا من خلال الجمع بين الأقمار الوطنية والخدمات التجارية تحقيق توازن بين امتلاك قدرات فضائية مستقلة والاستفادة من إمكانات السوق التجارية.
ويتيح برنامج «باز 2» بناء قدرة وطنية طويلة المدى، بينما توفر العقود التجارية مرونة في الوصول إلى صور إضافية من مصادر متعددة وفق الاحتياجات.
وتأتي هذه السياسة في إطار اتجاه أوروبي أوسع نحو تعزيز القدرات الفضائية باعتبارها جزءًا من الأمن القومي، في ظل تزايد الاعتماد على البيانات والصور التي توفرها الأقمار الصناعية في مراقبة التحركات وتحليل الأوضاع على الأرض.
وبالنسبة لإسبانيا، تمثل الحدود مع المغرب والسواحل الممتدة على البحر المتوسط والمحيط الأطلسي مجالات مهمة لتوظيف هذه الإمكانات، خاصة مع تنوع التحديات الأمنية والبيئية والبحرية.
ومن المنتظر أن يؤدي توسيع البنية الفضائية الإسبانية إلى توفير أدوات أكثر تطورًا أمام الجهات المختصة في جمع المعلومات وتحليلها، بما يدعم قدرتها على الاستجابة للأحداث المفاجئة ويعزز منظومة مراقبة الحدود خلال السنوات المقبلة.