"شنطة الهانم" تكشف أسرارًا من تاريخ مسرح الصالات.. مقال لـ جمال عبد الناصر

“شنطة الهانم” تكشف أسرارًا من تاريخ مسرح الصالات.. مقال لـ جمال عبد الناصر
كتبت/هينار ثروت
ليس أخطر ما يواجه تاريخ المسرح أن تضيع نصوصه أو تتلف صوره، بل أن تتآكل ذاكرته مع مرور الزمن. فكم من عروض صنعت ضجة كبيرة في عصرها، وملأت المسارح بالجمهور، ثم اختفت مع الأيام، حتى ظنت الأجيال الجديدة أنها لم تكن موجودة من الأساس. ولهذا يبقى التوثيق واحدًا من أهم أشكال الوفاء للفن، لأنه يحفظ للأجيال المقبلة ملامح مرحلة صنعت وجدان المجتمع وأسهمت في تشكيل تاريخ الحركة المسرحية المصرية.
ومن بين الأعمال التي تستحق أن تستعاد إلى الذاكرة، تبرز مسرحية “شنطة الهانم”، التي قدمتها فرقة بديعة مصابني عام 1938، في ذروة ازدهار ما عُرف بـ”مسرح الصالات”، ذلك اللون المسرحي الذي كان يجمع بين الكوميديا والاستعراض والغناء والرقص في عرض واحد، ليمنح الجمهور ليلة كاملة من الترفيه والفن.
كتب المسرحية الكاتب الكبير أبو السعود الإبياري، أحد أبرز صناع الكوميديا في تاريخ المسرح والسينما المصرية، بينما تولت البطولة الفنانة بديعة مصابني، وشاركها نخبة من نجوم تلك المرحلة، منهم محمد كمال المصري (شرفنطح)، وعبد الفتاح القصري، وفتحية شريف، وهم فنانون تركوا بصمة واضحة في تاريخ المسرح الكوميدي.
ومن اللافت أن اسم المخرج لا يظهر في الوثائق المتاحة عن العرض، وهو أمر لم يكن غريبًا في تلك الفترة، إذ كانت عروض الصالات تعتمد بدرجة كبيرة على إدارة النجوم للعرض بأنفسهم، وكانت بديعة مصابني، بصفتها صاحبة الفرقة وبطلتها، تتولى الإشراف الفني العام، فيما يقدم كل ممثل مشاهده بأسلوبه الخاص، ضمن بناء يقوم على الاسكتشات والفواصل الغنائية والاستعراضية.
مسرح الصالات.. فن البهجة
لفهم أهمية “شنطة الهانم”، لا بد أولًا من العودة إلى طبيعة مسرح الصالات، الذي ازدهر في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، وكان مختلفًا عن المسرح التقليدي المعروف بالفصول الطويلة والحبكات الدرامية المعقدة.
فالعرض في الصالات كان يعتمد على مجموعة من المشاهد الكوميدية السريعة، والأغاني، والاستعراضات، والمونولوجات الساخرة، بحيث تتحول الليلة المسرحية إلى احتفال فني متكامل، يجمع بين الضحك والموسيقى والرقص، ويخاطب جمهورًا واسعًا يبحث عن المتعة والبهجة.
وكان هذا النوع من المسرح قريبًا من الناس، يناقش قضاياهم اليومية بلغة بسيطة، ويعتمد على خفة الظل وسرعة الإيقاع، وهو ما جعله يحظى بشعبية كبيرة في تلك الفترة.
حقيبة تقود إلى سلسلة من المفارقات
جاءت فكرة “شنطة الهانم” بسيطة في ظاهرها، لكنها ثرية دراميًا. فالقصة تبدأ بحقيبة تخص سيدة من الطبقة الأرستقراطية تضيع أو تتبدل، لتصل إلى شخص بسيط لا يعرف شيئًا عن محتوياتها.
وبداخل الحقيبة مجوهرات وأغراض ثمينة تثير الشكوك، فيجد الرجل نفسه محاصرًا بين رغبته في إعادة الأمانة إلى أصحابها، وخوفه من أن يُتهم بالسرقة، لتبدأ سلسلة طويلة من المطاردات وسوء الفهم والمواقف الساخرة.
ولم يكن الهدف من هذه الحبكة تقديم لغز بوليسي، بل كانت مجرد مدخل يسمح لأبي السعود الإبياري بإطلاق خياله الكوميدي، من خلال الحوارات الذكية والمونولوجات الساخرة والمواقف التي تكشف التناقض بين الطبقات الاجتماعية، في إطار خفيف يعتمد على الضحك أكثر من اعتماده على التعقيد الدرامي.
وكانت الأغاني والاستعراضات جزءًا أصيلًا من البناء المسرحي، وليست مجرد فواصل للترفيه، وهو ما منح العرض إيقاعًا سريعًا حافظ على تفاعل الجمهور حتى نهاية الأحداث، التي تنتهي بانتصار الحقيقة وعودة الحقيبة إلى أصحابها وسط أجواء احتفالية.
أبو السعود الإبياري.. مهندس الضحك
يصعب الحديث عن “شنطة الهانم” دون التوقف أمام اسم أبو السعود الإبياري، الذي يعد واحدًا من أهم كتاب الكوميديا في القرن العشرين.
فقد كتب مئات المونولوجات التي حققت انتشارًا واسعًا، وامتلك قدرة استثنائية على تحويل المواقف اليومية إلى مادة ساخرة تحمل نقدًا اجتماعيًا خفيفًا، دون أن تفقد روحها الشعبية.
كما ارتبط اسمه بعدد كبير من الأعمال التي صنعت نجومية إسماعيل ياسين، وأسهم في ترسيخ المونولوج كفن مستقل، يجمع بين الغناء والكوميديا والتعليق الاجتماعي.
بديعة مصابني.. مؤسسة فنية
أما بديعة مصابني، فلم تكن مجرد نجمة استعراض، بل كانت صاحبة مشروع فني متكامل. فقد أسست كازينو بديعة، الذي تحول إلى واحدة من أهم المنصات الفنية في مصر والعالم العربي، ونجح في الجمع بين المسرح والغناء والاستعراض في تجربة سبقت عصرها.
ومن خلال هذه المدرسة الفنية، خرجت أسماء أصبحت لاحقًا من أبرز نجوم الفن العربي، مثل إسماعيل ياسين، وفريد الأطرش، وأسمهان، وتحية كاريوكا، وسامية جمال، وغيرهم من الفنانين الذين بدأوا خطواتهم الأولى على خشبة كازينو بديعة قبل أن يصبحوا رموزًا في السينما والمسرح.
ولذلك لم يكن الكازينو مجرد مكان للعروض، بل كان معهدًا فنيًا غير رسمي، اكتشف المواهب وصقلها، وأسهم في تشكيل ملامح الفن المصري الحديث.
شاهد على مرحلة مهمة
اليوم، وبعد مرور أكثر من ثمانية عقود على تقديم “شنطة الهانم”، قد لا تتوفر نسخة مصورة كاملة للعرض، وربما ضاعت تفاصيل كثيرة مع الزمن، لكن قيمته التاريخية ما زالت حاضرة بوصفه شاهدًا على مرحلة ازدهر فيها مسرح الصالات، وكانت الخشبة مصنعًا للنجوم، والكوميديا وسيلة ذكية لطرح قضايا المجتمع، والاستعراض عنصرًا أساسيًا في البناء المسرحي.
إن استعادة الحديث عن هذه الأعمال لا تعني مجرد الحنين إلى الماضي، بل هي دعوة للحفاظ على الذاكرة الثقافية المصرية، والاهتمام بتوثيق التراث المسرحي، حتى لا تضيع أعمال صنعت تاريخًا كاملًا للفن.
فالأمم لا تحفظ حضارتها بالآثار وحدها، وإنما تحفظها أيضًا بالإبداع الذي صنع وجدان شعوبها، وبالمسرحيات التي أضحكت الناس، وبالفنانين الذين آمنوا بأن خشبة المسرح قادرة على صناعة الوعي والبهجة معًا… وربما تبدأ الحكاية كلها من “شنطة الهانم”، لكنها تنتهي بحكاية وطن كامل عشق المسرح وجعل منه جزءًا أصيلًا من هويته الثقافية.

نقدم لكم من خلال موقع (الرأى العام المصرى )، تغطية ورصدًا مستمرًّا على مدار الـ 24 ساعة لـ أسعار الذهب، أسعار اللحوم ، أسعار الدولار ، أسعار اليورو ، أسعار العملات ، أخبار الرياضة ، أخبار مصر، أخبار اقتصاد ، أخبار المحافظات ، أخبار السياسة، ويقوم فريقنا بمتابعة حصرية لجميع الأحداث الهامة و السياسة الخارجية والداخلية بالإضافة للنقل الحصري لـ أخبار الفن والعديد من الأنشطة الثقافية والأدبية.
لمتابعة صفحة الرأى العام المصرى على فيس بوك اضغط هنا
لمتابعة صفحة الرأى العام المصرى نيوز على فيس بوك اضغط هنا










