بقلم: دكتورة دينا سمير
لم تعد أخبار الحروب مجرد مشاهد بعيدة تصل إلينا عبر شاشات التلفزيون أو مواقع التواصل الاجتماعي، بل أصبحت أزمات متشابكة تمتد آثارها إلى الأمن والاقتصاد والغذاء والطاقة وحياة ملايين المدنيين.
وفي سبتمبر 2026، تبدو خريطة الصراعات الدولية والإقليمية شديدة التعقيد؛ فمن غزة إلى إيران واليمن، ومن أوكرانيا إلى السودان، تستمر المواجهات بدرجات مختلفة، بينما تبقى الأسئلة الأصعب معلقة: متى تتوقف الحرب؟ ومن يدفع ثمن استمرارها؟ وهل يستطيع العالم الانتقال من إدارة الصراع إلى صناعة السلام؟
غزة.. الهدنة لا تعني نهاية المعاناة
رغم الحديث عن وقف إطلاق النار والجهود الرامية إلى إعادة الإعمار، ما زالت غزة تشهد أعمال عنف وسقوط ضحايا.
وفي أحدث تطور، أفادت وكالة رويترز في 19 سبتمبر بمقتل ثلاثة فلسطينيين في غارات إسرائيلية على القطاع، بينهم نجل مدير عام وزارة الصحة في غزة، بينما قالت إسرائيل إنها استهدفت مسلحين. كما أشارت التقارير إلى أن أكثر من 280 ألف طفل عادوا إلى مدارس مؤقتة أو متضررة، في ظل الدمار الكبير الذي أصاب البنية التعليمية.
وهنا تظهر صورة أخرى للحرب لا تقل قسوة عن صور القصف: طفل يحاول العودة إلى مدرسته، وأسرة تحاول استعادة حياتها، ومجتمع يبحث عن طريق لإعادة بناء ما تهدم.
إيران.. حرب تركت آثارها على المنطقة
الصراع المرتبط بإيران والولايات المتحدة وإسرائيل أصبح واحدًا من أهم ملفات الأمن الإقليمي، ولا تقتصر تداعياته على الدول المتحاربة، وإنما تمتد إلى أسواق الطاقة والممرات البحرية وحركة التجارة العالمية.
وفي أحدث التطورات، أعلنت السلطات الإيرانية تنفيذ حكم إعدام بحق شخص أدين بالتجسس لصالح إسرائيل، في حين أشارت تقارير أخرى إلى استمرار الاتصالات غير المباشرة بشأن شروط إنهاء الحرب.
وتكشف هذه التطورات أن انتهاء العمليات العسكرية لا يعني بالضرورة انتهاء الأزمة؛ فهناك ملفات سياسية وأمنية واقتصادية تحتاج إلى تسويات طويلة ومعقدة.
اليمن والبحر الأحمر.. صراع يقترب من قلب المنطقة
التطورات في اليمن أصبحت أكثر ارتباطًا بالأمن الإقليمي والدولي، خصوصًا مع تصاعد هجمات جماعة الحوثيين والتوتر مع السعودية.
وفي 19 سبتمبر، أصدرت السعودية تحذيرات جوية في العاصمة الرياض بعد رصد تهديدات، مع ظهور دخان قرب مطار الرياض، في تطور يعكس اتساع نطاق المواجهة.
ولا تكمن أهمية البحر الأحمر وباب المندب في البعد العسكري فقط؛ فهما من الممرات المهمة للتجارة العالمية، وأي اضطراب طويل في هذه المنطقة يمكن أن ينعكس على حركة السفن وسلاسل الإمداد وأسعار الطاقة والنقل.
أوكرانيا.. حرب مستمرة رغم محاولات التفاوض
أما الحرب الروسية الأوكرانية، فما زالت تشهد تبادلًا للهجمات بالصواريخ والمسيّرات، مع استمرار الضغوط السياسية والدبلوماسية من أجل التوصل إلى ترتيبات توقف القتال.
وتشير أحدث التغطيات إلى هجمات روسية وأوكرانية متبادلة، وتصعيد في استخدام الطائرات المسيّرة، إلى جانب استمرار النقاش حول ترتيبات تتعلق باستهداف منشآت الطاقة.
وتبقى الأزمة الأوكرانية مثالًا واضحًا على صعوبة تحويل المفاوضات السياسية إلى اتفاق دائم، عندما تتداخل القضايا العسكرية والأمنية والحدود والمصالح الدولية.
السودان.. حرب لا تحظى بما يكفي من الضوء
وفي السودان، تستمر الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، في واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية قسوة في العالم.
الأمم المتحدة حذرت من حجم المعاناة، ودعا الأمين العام أنطونيو غوتيريش إلى محاسبة الدول التي تزود أطراف الحرب بالسلاح عندما يستخدم ضد المدنيين. وتشير تقديرات أممية نقلتها رويترز إلى أن أكثر من 14 مليون شخص نزحوا بسبب الحرب.
السودان يذكرنا بأن الحروب لا تُقاس فقط بعدد المعارك أو الأسلحة المستخدمة؛ فهناك ملايين البشر الذين فقدوا منازلهم، وأطفال انقطعت دراستهم، وأسر تبحث عن الغذاء والأمان، ومستشفيات وبنية تحتية تعاني من الانهيار.
من يدفع الثمن؟
السؤال الأهم في كل هذه الصراعات ليس فقط: من انتصر في المعركة؟
السؤال الأعمق هو: ماذا حدث للإنسان؟
الحرب قد تبدأ بقرار سياسي أو عسكري، لكنها تنتهي غالبًا عند أبواب البيوت.
هناك أم تفقد ابنها، وطفل يكبر وسط أصوات القصف، وشاب تتوقف دراسته، وأسرة تفقد مصدر رزقها، ومجتمع يحتاج سنوات وربما أجيالًا حتى يستعيد توازنه النفسي والاجتماعي.
ولهذا فإن آثار الحروب لا تنتهي بمجرد توقف إطلاق النار؛ فهناك ما يسمى بآثار ما بعد الحرب: الصدمات النفسية، فقدان الثقة، التفكك الأسري، النزوح، الفقر، فقدان التعليم، وانتشار مشاعر الخوف والغضب.
السلام ليس مجرد غياب الرصاص
العالم يحتاج إلى أن يعيد تعريف السلام.
السلام ليس فقط أن تتوقف المدافع، وإنما أن يستطيع الطفل العودة إلى مدرسته، وأن تجد الأسرة منزلًا آمنًا، وأن يحصل المريض على العلاج، وأن يستطيع الشاب أن يفكر في مستقبله بدلًا من التفكير في كيفية النجاة من اليوم.
كما أن إعادة الإعمار لا ينبغي أن تقتصر على المباني والطرق؛ فإعادة بناء الإنسان نفسيًا واجتماعيًا وتعليميًا لا تقل أهمية عن إعادة بناء المدن.
كلمة أخيرة
في عالم تتزايد فيه الصراعات، يصبح الوعي مسؤولية.
نحن لا نملك إيقاف كل الحروب، لكننا نملك أن نرفض تحويل معاناة البشر إلى مجرد أرقام، وأن نبحث عن الحقيقة من مصادر موثوقة، وأن نربي أبناءنا على الحوار واحترام الإنسان، وأن ندرك أن الاختلاف السياسي أو الديني أو العرقي لا يجب أن يتحول إلى مبرر لسلب الإنسان حقه في الحياة.
فالحرب قد تُرسم على الخرائط بحدود وجبهات، لكن آثارها تُكتب داخل قلوب البشر.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يجب أن يشغل العالم كله:
كم إنسانًا آخر يجب أن يدفع الثمن حتى يصبح السلام هو الخيار الأول، وليس الخيار الأخير؟
تم نسخ رابط الخبر










