⚡ عاجل
تقارير وتحقيقات

ليلى القوصي:  مشاعر اليوم أسرع، وجيلنا كان أكثر عمقاً ودِفئاً..

ليلى القوصي:  مشاعر اليوم أسرع، وجيلنا كان أكثر عمقاً ودِفئاً

كتبت مريم هرموش

“خطوط وجهها ليست تجاعيد، بل هي خريطة زمنية كُتبت تفاصيلها على مدى تسعين عاماً. عندما تتحدث الدكتورة ليلى

القوصي، تشعر وكأنك تفتح كتاباً نادراً مليئًا بحكايات لم ترو بعد. هي الأم، والجدة، وجدة الجدات التي رأت حفيداتِها أمهات..

تجسد حقبة كاملة من الرقي، الثقافة، والتمسك بالقيم التي نظنها اختفت في عالمنا اللاهث والسطحي. تُعيدنا الدكتورة ليلى إلى جذور الأشياء: كيف نحب؟ كيف نصمد أمام تقلبات الزمان؟ وكيف نحتفظ بقلب نابض بالحياة حتى بعد مرور تسعة عقود.

هذا الحوار الدافئ هو دعوة لنتوقف قليلاً، ونستمع لحكمة الحياة في أبسط وأنقى صورها.

الدكتورة ليلى القوصي، عملت في المركز القومي للبحوث لعدة عقود. والدها هو الدكتور عبد العزيز حامد القوصي الملقب بعميد علم النفس العربي  حاصله على جائزة الدولة التقديرية ومندوب مصر في منظمة اليونيسكو.

تقول : كانت نشأتنا مختلفة قليلًا عن السائد في ذلك الوقت، بفضل انفتاح والدي وسفره الدائم؛ إذ كان يدفعنا دومًا لتحقيق طموحاتنا متسلحين بالعلم والمعرفة. وفي المقابل، كانت أمي – المنحدرة من أصول تركية – أكثر صرامة وحزمًا منه..

كنا ننتمي إلي الطبقة الوسطى في مجتمع كان يعتبر وجود السائق، والطاهي، والمساعدة المنزلية من الأساسيات البديهية في كل بيت، وليس ضربًا من الرفاهية كما هو الحال اليوم. كانت الحياة حينها أسهل، وايقاعها أهدأ، ولم يكن المجتمع يعاني من تخبط أو انقسام حول مفاهيم الصواب والخطأ.

ما هي الذكري التي تستحضرينها دائمًا من ذلك الزمن الجميل؟

ليلى القوصي:  مشاعر اليوم أسرع، وجيلنا كان أكثر عمقاً ودِفئاً
ليلى القوصي:  مشاعر اليوم أسرع، وجيلنا كان أكثر عمقاً ودِفئاً

أحب أن أعود بذاكرتي الي فترة دراستي، والبحث العلمي، والمختبرات؛ فأنا أعتبرها من أجمل وأمتع الفترات في حياتي كلها

وعن تعاملها مع أدوات هذا العصر التكنولوجي قالت د. ليلى: معرفتي محدودة جدًا بالتكنولوجيا، وإن اضطررت لاستخدامها ففي أضيق الحدود.. لا زلت أحفظ أرقام الهواتف عن ظهر قلب ولا أدونها، وهذه ملكة لدي يحسدني عليها المقربون. بفضل الله أملك ذاكرة قوية لا تخذلني أبدا.

أما عن السر الحقيقي وراء احتفاظها بهذه الروح الجميلة والإقبال على الحياة فقالت: أستمتع بأبسط اللحظات، وأقضي وقتي مع من أحب. أشعر بالامتنان في كل ثانية لكل النعم التي أنعم الله بها عليّ.. وأترك كل أموري بين يدي الله يدبرها كيفما يشاء..

وعن العادات اليومية البسيطة التي تحرص عليها حتى الان قالت احافظ على نفس الروتين اليومي؛ استمع الى الموسيقى والأغاني القديمة، واشاهد أفلام (الأبيض والأسود).. اتحدث بالهاتف مع احبائي لأطمئن عليهم يوميًا.. وأحاول ألا أعزل نفسي عن الحياة بقدر استطاعتي.

وعن النصيحة الذهبية التي ستنفذها لو عاد بها الزمان قالت: لن أغير أي شيء على الإطلاق؛ فأنا أؤمن تماما بأن الطريق الذي مشيته كان مقدرًا لي من الله.. لقد بذلت كل ما في وسعي لأكمله كما يجب، ولأكون اليوم راضية تمامًا عن نفسي وعما قدمت.

واضافت ان ما يفتقده جيل اليوم وكان متوفراً في جيلها هو الصبر.. والرضا..  أشعر بالأسى على هذا الجيل؛ لأنه مشتت بين أنصاف الأشياء.

اما القيمة الإنسانية التي تري أن العالم اليوم مهدد بفقدانها ويجب التمسك بها فقالت هو ترسيخ المبادئ والقيم، والحفاظ على الترابط الأسري، والقرب الحق من الله بالأفعال، لا بالمظاهر.

اما الإرث الحقيقي الذي تفتخر به فقالت انها ابنتي منى وابني حسين أشعر أنهما أكبر نعمة وهبها الله لي. حبي لهما أكبر من كل شيء. وافتخر بهما كثيرًا.

وعن كيف كانت تحصل على المعرفة في زمن مضى، وكيف تري ثقافة ‘الإنترنت’ اليوم قالت كنا نبحث عن المعلومة في بطون الكتب بجهد وشغف. الإنترنت اليوم جعلت المعرفة في متناول الجميع، لكن المشكلة في ‘السطحية’. جيل اليوم يملك معلومات وفيرة، لكنه يفتقر أحياناً إلى العمق والقدرة على التحليل والربط بين الأمور.

وعن القناعة التي دافعتِ عنها في شبابها وتغيرت نظرتها لها الآن قالت: في شبابي كنت أظن أن التغيير وتطوير القوانين والأنظمة الإدارية يمكن أن يحصل بين ليلة وضحاها بقوة الحماس والاندفاع. الآن، بعد عقود من العمل الاستشاري، أدركت أن التغيير الحقيقي والمستدام يحتاج إلى نفس طويل، وتدرج، وتغيير في ثقافة وسلوك البشر أولاً.

ونصيحتها للمرأة الشابة: أنتِ تعيشين في عصر يمنحكِ خيارات وحقوقاً لم نكن نحلم بها، فلا تهدرينها في التوافه. كوني قوية بعلمكِ وعملكِ، لا تتنازلي عن طموحكِ، واجعلي لكِ جذوراً ثابتة في هويتكِ وثقافتكِ تمنعكِ من الانكسار مهما اشتدت رياح الحياة.

وعن الخطأ الذي يرتكبه جيل اليوم في حق نفسه بسبب إيقاع الحياة السريع قالت هو التعجل وحرق المراحل؛ يريدون النجاح المالي والمهني السريع دون المرور بمرحلة البناء والصبر والتعلّم من الأخطاء. الاستعجال يجعل الإنجازات هشّة ويحرم الإنسان من متعة الرحلة وخبرة التجربة.

وقالت ان الدرس الأثمن الذي علمتني إياه العقود التسعة الماضية هو ان الحياة مثل الأرض الطيبة؛ بقدر ما تخلص لها، وتصبر على تقلبات فصولها، وترعاها بالحب والعمل… بقدر ما تمنحك من ثمار طيبة وخلود للأثر.

وعن التحدي أو المشروع الذي وهبتِ له قلبها وشعرتِ أنها تركتِ فيه جزءاً من روحها قالت: حصولي على الماجيستير والدكتوراه رغم كل الضغوطات والصعوبات التي واجهتني..

التسعون عاماً ليست رقماً، بل هي أرشيف من الوجوه، والأماكن، والضحكات، والدموع. لو أغمضتِ عينيكِ الآن، ما هو العقد أو الحقبة الزمنية التي تشعرين أن روحك تنتمي إليها وترتاح فيها؟

أشعر بالغربة في هذا الزمن السريع.. وكأنني أعيش على حافة الحياة. أتساءل أحيانًا: لماذا لا زلت هنا.. ألا يكفي كل هذا العمر..!غادرت منزل الدكتورة ليلى القوصي، وفي اذني صدى كلماتها: ألا يكفي كل هذا العمر؟ ربما تشعر بالغربة في عالمنا الصاخب والسريع، لكنها تركت في قلبي يقينًا بأن العمر لا يقاس بالسنوات، بل بمقدار الحب والامتنان الذي نزرعه فيمن حولنا. رحلت وانا أدرك ان خطوط وجهها ليست علامات شيخوخة، بل هي أوسمة صمود لروح ما زالت، برغم تسعة عقود من العواصف، وثابة، خضراء، وممتنة.

تم نسخ رابط الخبر