لم يعد ظهور بعض أنواع السرطان في سن مبكرة أمرًا نادرًا كما كان يُعتقد، وهو ما دفع العلماء إلى تكثيف أبحاثهم لفهم أسباب إصابة أشخاص في أعمار الشباب بأورام كانت ترتبط لفترات طويلة بالتقدم في العمر. ويركز جانب من هذه الأبحاث على مفهوم «الشيخوخة البيولوجية»، الذي يختلف عن العمر الذي يحدده تاريخ الميلاد، ويعكس مدى سرعة تعرض خلايا الجسم وأجهزته للتغيرات المرتبطة بالسن.
ويشير المعهد الوطني للسرطان في الولايات المتحدة إلى زيادة ملحوظة في بعض السرطانات التي تظهر في سن مبكرة، بينها سرطان القولون والثدي والرحم والكلى والبنكرياس، ويعرّف السرطان المبكر بأنه الإصابة بأنواع عادة ما تظهر في الأعمار الأكبر لدى أشخاص تتراوح أعمارهم بين 18 و49 عامًا.
ما المقصود بالشيخوخة البيولوجية؟
العمر الزمني لا يعكس دائمًا الحالة الفعلية للجسم، فقد يكون شخصان في العمر نفسه لكن تختلف لديهما مؤشرات صحة الخلايا والتمثيل الغذائي ووظائف الأعضاء. ولهذا طور الباحثون ما يعرف بـ«الساعات البيولوجية» التي تعتمد على مجموعة من المؤشرات الحيوية لمحاولة تقدير العمر البيولوجي للجسم.
ويبحث العلماء فيما إذا كان التقدم الأسرع في بعض هذه المؤشرات قد يرتبط بزيادة احتمالات الإصابة بالأمراض، ومن بينها السرطان. لكن وجود عمر بيولوجي متقدم لا يعني أن الشخص سيصاب بالسرطان حتمًا، كما أن هذه المؤشرات لا تستخدم وحدها لتشخيص المرض.
لماذا يدرس العلماء السرطان لدى الشباب؟
تتمثل المشكلة في أن الزيادة في حالات السرطان المبكر لا تظهر بالطريقة نفسها في جميع أنواع الأورام أو بين جميع السكان. وتوضح بيانات المعهد الوطني للسرطان أن ارتفاع معدلات بعض السرطانات لدى الأصغر سنًا لا يمكن تفسيره بعامل واحد، كما أن التغيرات تختلف بحسب نوع السرطان والموقع الجغرافي والمجموعة السكانية.
ولهذا يبحث العلماء في مجموعة واسعة من العوامل، من بينها الاستعدادات الوراثية، والنظام الغذائي، والسمنة، والتدخين، والعوامل البيئية، إلى جانب التغيرات التي قد تحدث داخل الجسم على المستوى الخلوي مع مرور الوقت.
هل الشيخوخة السريعة تسبب السرطان؟
لا توجد إجابة علمية بسيطة تقول إن الشيخوخة البيولوجية السريعة هي السبب المباشر لإصابة الشباب بالسرطان. لكن هناك أبحاث تشير إلى وجود علاقة بين مؤشرات الشيخوخة البيولوجية وبعض المخاطر الصحية.
وفي دراسة أمريكية على ناجين من السرطان، استخدم الباحثون مؤشرات حيوية لتقدير «العمر الظاهري» للجسم، ووجدوا ارتباطًا بين تسارع العمر البيولوجي وبعض النتائج الصحية لدى الناجين من المرض. وتبقى هذه النتائج مرتبطة بالسكان الذين شملتهم الدراسة ولا تثبت أن تسارع الشيخوخة وحده تسبب في الإصابة بالسرطان.
كما أظهرت دراسة على شباب بالغين نجوا من السرطان أن بعض مؤشرات الشيخوخة الجينية والبيولوجية كانت أعلى لديهم مقارنة بأشخاص في العمر نفسه لم يصابوا بالسرطان، خاصة بعد بعض أنواع العلاج. وتشير هذه النتائج إلى أن المرض والعلاج يمكن أن يرتبطا بتغيرات في عمليات الشيخوخة الخلوية، لكنها لا تعني أن هذه التغيرات تفسر جميع حالات السرطان المبكر.
الجينات ونمط الحياة ضمن دائرة البحث
يهتم العلماء كذلك بالعوامل الوراثية، إذ يمكن لبعض الطفرات الموروثة أن تزيد خطر الإصابة بأنواع معينة من السرطان في سن مبكرة. وفي المقابل، توجد عوامل مرتبطة بنمط الحياة والصحة العامة، مثل التدخين وزيادة الوزن وبعض العادات الغذائية وقلة النشاط البدني.
وتشير أبحاث المعهد الوطني للسرطان إلى أن عوامل مثل السمنة وبعض الأنماط الغذائية ارتبطت بزيادة بعض أنواع السرطان المبكر، لكنها لا تفسر وحدها الارتفاع المسجل في معدلات الإصابة.
ماذا يأمل العلماء في اكتشافه؟
يسعى الباحثون إلى معرفة ما إذا كانت هناك علامات بيولوجية يمكن استخدامها مستقبلًا لتحديد الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بالسرطان في سن مبكرة، بما يساعد على تحسين الوقاية والكشف المبكر. كما يدرسون العلاقة بين الالتهاب المزمن، والتغيرات الجينية، ووظائف الجهاز المناعي، والشيخوخة الخلوية.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي تفسير زيادة الاهتمام بالسرطان المبكر باعتبارها دليلًا على أن الشباب معرضون للمرض حتمًا، بل تؤكد الأبحاث أهمية فهم أسباب تغير أنماط الإصابة، وتطوير وسائل أفضل للوقاية والكشف المبكر.
وتبقى الشيخوخة البيولوجية أحد المسارات البحثية المهمة لفهم السرطان، لكنها تمثل جزءًا من صورة أكبر تضم الجينات والبيئة ونمط الحياة والعوامل الصحية المختلفة. لذلك يواصل العلماء دراسة هذه العوامل معًا للوصول إلى تفسير أكثر دقة لسبب ظهور بعض أنواع السرطان في أعمار أصغر.